جدول المحتويات
طفلة في مخيم المنيج للنازحين داخلياً في مديرية المعافر بمحافظة تعز في 1 ديسمبر 2024 // الصورة لمركز صنعاء، بعدسة البراء منصور

تدهور الاقتصاد اليمني يعمّق انعدام الأمن الغذائي

لا يزال الاقتصاد اليمني يرزح تحت ضغوط شديدة، مع توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5٪ للعام 2025. ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، واجهت 61٪ من الأسر التي شملها المسح صعوبة في تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية في شهر نوفمبر، ومن بين هذه الفئة، كانت 35٪ من الأسر تعاني من انعدام أمن غذائي حاد. تأثرت 63٪ من الأسر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بعدم كفاية استهلاك الغذاء، مقابل 61٪ في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين (أنصار الله)، وأفادت 32٪ من الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين بمعاناتها من جوع متوسط إلى شديد، بزيادة قدرها 6٪ على أساس سنوي، مقارنة بـ 25٪ في مناطق سيطرة الحكومة، بانخفاض قدره 8٪. سُجلت أعلى المستويات في محافظات البيضاء، الضالع، ريمة، الجوف، وحجة؛ ولمواجهة نقص الغذاء، لجأت الأسر إلى استراتيجيات تكيف غذائية قاسية، وكانت أكثر انتشارًا في مناطق سيطرة الحوثيين (66٪) مقارنة بمناطق سيطرة الحكومة (58٪)، وتشمل التحول إلى أغذية أقل قيمة غذائية أو تقليص استهلاك البالغين لصالح الأطفال.

بوجه عام، ظلّت تكلفة الحد الأدنى لسلة الغذاء مستقرة في مناطق سيطرة الحكومة، مع ارتفاع طفيف بنسبة 1٪ على أساس شهري؛ غير أن السعر انخفض بنسبة 37٪ مقارنة بالذروة التاريخية المسجلة في يوليو 2025، وبنسبة 20٪ مقارنة بنوفمبر 2024، ويُعزى ذلك أساسًا إلى تعافي الريال وتراجع تكاليف النقل. ارتفع الريال بنسبة 27٪ على أساس سنوي، مدفوعًا بإجراءات حكومية لإدارة سعر الصرف وتشديد الرقابة على الواردات ومعاملات العملة الصعبة. نتيجة لذلك، انخفضت أسعار السلع الأساسية بنسبة 26٪ للسكر، و20٪ لدقيق القمح، و23٪ للفاصولياء الحمراء، و14٪ لزيت عباد الشمس، كما انخفضت أسعار الوقود في نوفمبر بنسبة 11٪ و9٪ على التوالي مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، مدفوعة بتراجع أسعار النفط العالمية وتعافي العملة، فضلًا عن مساهمة الإنتاج المحلي من النفط الخام في مأرب بتغطية جزء من احتياجات الوقود في مناطق سيطرة الحكومة.

بالمقابل، لم يسهم استقرار سعر الصرف عند 534 ريالًا للدولار الواحد في مناطق سيطرة الحوثيين في تخفيف الضغوط الاقتصادية؛ إذ لا يزال الاقتصاد يعاني من نقص حاد في الدولار، وقيود على السحب النقدي، ومحدودية صرف رواتب موظفي القطاع العام، وتراجع النشاط التجاري، واضطرابات في النظام المصرفي تفاقمت بفعل العقوبات الاقتصادية. كما زادت الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على موانئ البحر الأحمر والبنية التحتية المرتبطة بها خلال الصيف من حدة التراجع الاقتصادي، وانخفضت واردات الوقود عبر موانئ البحر الأحمر بنسبة 28٪ خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، فيما تراجعت واردات الغذاء بنسبة 13٪، ورغم انخفاض أقساط التأمين البحري عقب وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر، لا تزال حركة المرور عبر مضيق باب المندب أقل من نصف مستوياتها قبل تصاعد أزمة البحر الأحمر، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

بالمقابل، ارتفعت واردات الغذاء عبر موانئ عدن والمكلا الخاضعة لسيطرة الحكومة بنسبة 28٪ خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2025، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، بينما تراجعت واردات الوقود بنسبة 27٪، نتيجة الصعوبات الاقتصادية وقرار الحكومة إنهاء عقود شركات الطاقة المشتراة العاملة بالديزل في وقت سابق من العام.

واجهت خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن أكبر فجوة تمويل خلال عقد، مما ترك ملايين الأشخاص دون مساعدات وفاقم الأزمة الإنسانية القائمة. أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بأن خطة العام 2025، لم تحصل سوى على 687.9 مليون دولار، أي ما يعادل 28٪ فقط من إجمالي 2.48 مليار دولار مطلوبة بنهاية العام، مقارنة بـ 56٪ في عام 2024. أتم برنامج الأغذية العالمي ست دورات توزيع غذائي في مناطق سيطرة الحكومة خلال عام 2025، مستفيدًا منها 3.4 مليون شخص في كل دورة؛ غير أن العجز الحاد في التمويل أجبر جميع القطاعات على تقليص الخدمات الأساسية، وأوقف البرنامج أنشطته بالكامل في مناطق سيطرة الحوثيين، كما خفّض نطاق التغطية في مناطق الحكومة من 3.4 مليون إلى 1.6 مليون مستفيد لكل دورة مع مطلع عام 2026.

في مناطق سيطرة الحوثيين، نفّذ البرنامج دورتين فقط خلال عام 2025، استهدفتا نحو 2.8 مليون شخص في كل دورة، إلا أن أنشطته في الشمال معلقة منذ أغسطس بسبب غياب الحيز التشغيلي، مما يعرقل إيصال المساعدات المنقذة للحياة.

بوجه عام، يظل الوضع الاقتصادي هشًا ومعرضًا للمخاطر؛ فقد أدت معدلات التضخم المرتفعة وجمود الأجور إلى تآكل القدرة الشرائية للسكان وأضعفت قدرتهم على شراء السلع الغذائية الأساسية والأدوية المستوردة، كما ساهم نقص الوقود وارتفاع تكاليف النقل وإعادة توجيه مسارات الاستيراد وازدواجية الضرائب في زيادة الأسعار. مع إبداء كبار المانحين الدوليين اهتمامًا محدودًا بتمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن للعام الجديد، من المتوقع استمرار العجز الحاد في التمويل، وسيجبر ذلك وكالات الإغاثة على تقليص المزيد من الخدمات الأساسية، رغم بقاء اليمن واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع تصاعد معدلات الجوع وانتشار الأمراض.

الريال يحافظ على استقراره النسبي

ظل سعر الريال الجديد مستقرًا عند نحو 1628 ريالًا للدولار الواحد، مع تراجع طفيف في قيمته إلى 1644 ريالًا للدولار خلال الأسبوع الأول من ديسمبر، عقب تصعيد عسكري نفذه المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة، ما خلق مشهدًا نقديًا واقتصاديًا معقدًا، كما استقر سعر الريال القديم المتداول في مناطق سيطرة الحوثيين عند 536 ريالًا للدولار.

ساهمت مجموعة من العوامل المترابطة في استقرار الريال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، فقد خلق صرف مبلغ 90 مليون دولار، وهو أقل من المتوقع، في 20 نوفمبر — وهو جزء من حزمة دعم مالي سعودية تبلغ 1.38 مليار ريال سعودي (نحو 368 مليون دولار) — انفراجة قصيرة الأمد لدعم استقرار العملة. جاء هذا الدعم في وقت حرج للحكومة التي تواجه نزاعات داخلية، وتعثراً في الإصلاحات الاقتصادية، وتأخراً في صرف الرواتب لعدة أشهر. بناءً على ذلك، بدأ البنك المركزي اليمني في عدن بصرف الرواتب المتأخرة، لتشمل رواتب الموظفين المدنيين لشهر أغسطس ورواتب الوحدات العسكرية لشهر يوليو. وفقاً للتقرير السنوي للبنك لعام 2024، تحتاج الحكومة إلى نحو تريليون ريال سنوياً لتغطية الرواتب، أي حوالي 83.3 مليار ريال شهرياً. بناءً على هذه الأرقام، فإن الدعم السعودي الأخير يغطي أقل من شهرين من مدفوعات الرواتب. اتسع العجز المالي الحكومي بشكل كبير منذ هجمات الحوثيين على مرافق تصدير النفط أواخر عام 2022، وقد أدى تراجع الإيرادات غير النفطية واستنزاف احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي في عدن إلى تفاقم الأزمة المالية والنقدية.

مع ذلك، يعود جزء كبير من استقرار الريال إلى الجهود الجماعية للجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات والبنك المركزي. واصلت هذه المؤسسات إدارة احتياطيات العملة الصعبة وتخصيصها لتمويل استيراد السلع الأساسية. في 30 ديسمبر، ناقشت اللجنة في اجتماعها الرابع عشر طلبات تمويل الاستيراد، حيث أعلنت عن تلقي 12، 931 طلباً من البنوك وشركات الصرافة خلال الـ 100 يوم الماضية. خلال هذه الفترة، وافقت اللجنة على 2.5 مليار دولار عبر 47 بنكاً وشركة صرافة مرخصة لتمويل سلع متنوعة، مما ساعد في تخفيف الضغوط على الريال، كما واصل البنك المركزي في عدن إجراءاته العقابية ضد الجهات المتورطة في المضاربة بالعملة، حيث سحب وألغى تراخيص عشرات شركات ومحلات الصرافة.

في 16 أكتوبر، صرح محافظ البنك، أحمد غالب المعبقي، أن نقل المراكز الرئيسية للنظام المصرفي إلى عدن يمثل خطوة محورية، تمكن البنك من تنفيذ إصلاحات نقدية وإدارية جوهرية وتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف. جاءت هذه التصريحات على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن. تشمل التدابير الأخرى التي اعتمدها البنك المركزي في عدن مؤخراً حظر استخدام العملات الأجنبية في المشتريات المحلية، وتشديد الرقابة على معاملات الدولار الأمريكي، وفرض سقف محدد لسعر الصرف عند بيع وشراء الريال السعودي.

لا يزال تدهور الوضع السياسي والأمني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يهدد الاستقرار النسبي للعملة، ومع غياب استراتيجية لاستئناف صادرات النفط الخام أو حشد إيرادات أخرى، فمن المرجح أن يستمر الضغط النزولي على قيمة الريال.

معركة الحكومة في الإصلاح الاقتصادي

تخوض الحكومة صراعاً محتدماً لإنهاء ما يقرب من عقد من الفوضى الاقتصادية؛ ففي مواجهة الأزمة المالية وضغوط المانحين الدوليين، حاول مجلس القيادة الرئاسي إطلاق إصلاحات شاملة منتصف عام 2025. مع ذلك، واجهت هذه الجهود مقاومة شديدة من مراكز القوى المحلية، والفصائل العسكرية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، مما دفع الدولة نحو حافة الانهيار.

أواخر شهر أكتوبر، أصدر مجلس القيادة الرئاسي القرار الجمهوري رقم (11) لسنة 2025، الذي يحدد تدابير إعادة هيكلة النظام المالي للدولة ووقف تسرب الإيرادات واختلاس الأموال العامة. يهدف الإصلاح الأساسي إلى تعزيز سلطة الحكومة المركزية في إدارة الموارد السيادية والتحكم بها، وتقنين علاقتها المتوترة مع السلطات المحلية فيما يتعلق بالإيرادات المحلية. لقد استولت محافظات عدة على صلاحيات تحصيل الإيرادات، حيث تعمل خارج نطاق أي موازنة عامة محددة، بينما تكافح الحكومة المركزية بخطط إنفاق مؤقتة. ويقضي القرار بإلزام جميع المحافظات — مع التركيز بشكل خاص على تعز وعدن ومأرب وحضرموت والمهرة — بإيداع كافة الإيرادات المركزية لدى البنك المركزي اليمني في عدن.

تقضي خطة الإصلاح بإخضاع المكاتب الجمركية مباشرة للإدارة المركزية للجمارك التابعة للحكومة، مع حظر السلطات المحلية من منح أي تخفيضات أو إعفاءات، كما يقضي القرار بإغلاق الموانئ البحرية غير القانونية، بما في ذلك ميناء قنا في شبوة، والشحر في حضرموت، ونشطون في المهرة، ورأس العارة[1] في لحج. بالإضافة إلى ذلك، يلزم القرار الشركات الكبرى المملوكة للدولة — بترومسيلة، وصافر، ومصفاة عدن — بتسليم كافة المنتجات المكررة إلى شركة النفط اليمنية، المسؤولة عن التسويق وإيداع الإيرادات في حساب البنك المركزي التابع للحكومة.

تتطرق خطة الإصلاح أيضا إلى نقاط التفتيش العسكرية والأمنية غير القانونية التي تفرض إتاوات على الشاحنات، مما يثقل كاهل التجار ويحرف موارد الدولة. كُلفت وزارتا الدفاع والداخلية بإزالة هذه النقاط غير القانونية، غير أن جماعات تعمل تحت مظلة الوزارتين تورطت بشكل مباشر في تحصيل تلك الإتاوات غير القانونية، وتشدد الركيزتان الثانية والثالثة من الخطة على الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد وانضباط النفقات، ومن الإجراءات الرئيسية تحرير سعر الصرف الجمركي، من 700 ريال يمني إلى سعر السوق الحالي البالغ 1,630 ريالاً يمنياً مقابل الدولار الواحد. يهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الإيرادات الجمركية وتخفيف عجز الموازنة.

مع ذلك، واجهت محاولة الحكومة لفرض سيطرتها مقاومة من السلطات المحلية والجهات العسكرية الفاعلة في تعز والمهرة وحضرموت ومأرب؛ فالسلطات المحلية، التي اعتادت على الحكم الذاتي لما يقرب من ثماني سنوات، تجاهلت التوجيهات المركزية إلى حد كبير أو عملت على تعطيلها. منتصف نوفمبر، اتهمت مذكرة موجهة من رئيس الوزراء إلى وزير الدفاع جماعات مسلحة ضمن محور تعز العسكري التابع لحزب الإصلاح بنهب الإيرادات العامة بشكل منهجي، ولا سيما ضرائب القات.[2]

في نوفمبر، ذكرت وسائل إعلام محلية أن نقطة تفتيش عسكرية بين شقرة وقرن الكلاسي في أبين احتجزت عشرات الشاحنات المحملة بمواد البناء، بعد رفض السائقين دفع إتاوة غير قانونية قدرها 200000 ريال يمني لكل شاحنة. في 12 نوفمبر، احتجزت قوات الحزام الأمني في منطقة حسان بمديرية خنفر عدة صهاريج محملة بالنفط الخام مخصصة لتشغيل محطات كهرباء عدن، احتجاجاً على تأخر صرف الرواتب.

تحدت محافظة المهرة السلطة المحلية الأوامر الحكومية بشكل مباشر، وأصدرت توجيهات بإيداع ضرائب المبيعات المحلية، وإيرادات صندوق رعاية تأهيل المعاقين، و70٪ من الرسوم الجمركية، وضرائب الأرباح التجارية في الحسابات المحلية للمحافظة. في 9 نوفمبر، أفاد مكتب جمارك شحن بأن السلطة المحلية في المهرة أصدرت توجيهات بنقل إيرادات الحدود البرية مع عُمان إلى حساب السلطة المحلية، مهددة الموظفين في المنفذ الحدودي بالفصل إذا لم يمتثلوا. رداً على ذلك، قدم رئيس الوزراء سالم بن بريك، مذكرة إلى مجلس القيادة الرئاسي، يرفض فيها الإجراءات التي اتخذها محافظ المهرة محمد علي ياسر، مؤكداً أنه تجاوز صلاحياته القانونية. كما رفضت السلطة المحلية في المهرة قرار مجلس القيادة الرئاسي بإغلاق ميناء نشطون على بحر العرب، بحجة أنه أُسس بشكل قانوني، وبينما ذكرت السلطة المحلية في حضرموت أنها ستلتزم بإيداع كافة الإيرادات المركزية لدى البنك المركزي في عدن، فقد دعت الحكومة إلى الاعتراف بميناء الشحر كنقطة جمركية رسمية. أشارت السلطة المحلية أيضاً إلى أن تعاونها سيكون مشروطاً بوفاء الحكومة بالالتزامات الشهرية للمحافظة، بما في ذلك دفع الرواتب في قطاعي التعليم والصحة، والميزانيات التشغيلية الإضافية لتوفير الخدمات، ونفقات التنمية.

محافظة مأرب الغنية بالنفط لم تمتثل بدورها لقرار مجلس القيادة الرئاسي بشأن الإصلاحات الاقتصادية، فقد ظل الفرع المحلي للبنك المركزي يعمل تاريخيًا بصورة شبه مستقلة عن المقر الرئيسي في عدن، كما تجاهلت السلطة المحلية، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة، توجيهات سابقة صادرة عن الحكومة المركزية، من بينها قرار عام 2022 القاضي بتحرير سعر الوقود المنتج محليًا، ولا يزال سعر عبوة بنزين سعة 20 لترًا يُباع في مأرب مقابل 8000 ريال يمني، أي ما يعادل ثلث سعره وفق السعر المحرر في عدن وتعز، ما يحرم الحكومة من إيرادات ويشجع على تهريب الوقود، كما أدارت السلطة المحلية إيرادات النفط والغاز المنتجين محليًا بشكل مستقل، وخصصتها لتغطية النفقات العامة دون إشراف من الحكومة المركزية.

أدى عجز الحكومة عن تحصيل الإيرادات إلى تفاقم أزمة سيولة حادة، وبحلول نوفمبر، كان الموظفون المدنيون والعسكريون مستحقين لما يصل إلى أربعة أشهر من الرواتب المتأخرة. ردًا على ذلك، أعلن رئيس الوزراء بن بريك إجراءات تقشفية صارمة، شملت تقييد سفر الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين إلى الخارج ليقتصر على “الضرورة القصوى فقط”، كما وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الحكومة بإجراء حصر شامل لأراضي الدولة وممتلكاتها وأصولها المؤجرة، ووضع خطة لتحويلها إلى مصادر إيراد فعّالة. غير أن هذه التدابير المالية التكميلية أثبتت عدم كفايتها.

شهد الوضع تحولًا دراماتيكيًا أوائل ديسمبر، عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا على حضرموت والمهرة. أدى ذلك إلى مغادرة عدد من كبار المسؤولين الحكوميين إلى الرياض، وإلى توقف مؤقت في إنتاج النفط في حقول المسيلة. من شأن تصاعد عدم الاستقرار السياسي والأمني أن يهدد الاستقرار النسبي الذي شهده الريال مؤخرًا، وتعكس النزاعات المستمرة بشأن تحصيل الإيرادات هشاشة سلطة الحكومة المركزية، في ظل تنامي نفوذ واستقلالية السلطات المحلية خلال سنوات الصراع. بات هذا الملف اختبارًا حاسمًا لقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي يدفع بها الشركاء الدوليون بهدف استعادة الثقة في النظام المالي ومنع مزيد من انهيار مؤسسات الدولة. يتطلب إحراز تقدم حدًا أدنى من الانسجام بين الفاعلين الحكوميين في عملية صنع السياسات، وفي غياب هذا التفويض الموحد، ستواجه الحكومة عقبات جسيمة في إدارة موارد الدولة والحفاظ على تقديم الخدمات الأساسية.

انقطاعات الكهرباء في عدن وحضرموت

واجهت العاصمة المؤقتة عدن ومحافظة حضرموت الغنية بالنفط انقطاعات حادة في التيار الكهربائي، فقد أدت عوامل مترابطة، من بينها نقص الوقود، وتخريب البنية التحتية، ونقص التمويل، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والعسكري، إلى توقف محطات توليد رئيسية، ما تسبب في انقطاعات طويلة للتيار.

في أكتوبر، غرقت عدن في ظلام دامس عقب التوقف الكامل لمحطاتها الرئيسية، حيث بلغت الأزمة ذروتها في 19 أكتوبر، حين أُغلقت جميع محطات التوليد بالكامل بسبب نقص الوقود. امتد التعطل حتى إلى مصادر الطاقة المتجددة، إذ اضطرت محطة الطاقة الشمسية في عدن إلى التوقف، نظرًا لاعتماد تشغيلها على التوليد الأساسي من محطتي الرئيس أو المنصورة لضبط تردد الشبكة وتوزيع الأحمال، كما ظلّت خطوط إمداد الوقود أداةً للضغط السياسي؛ ففي إحدى الحوادث، احتجز جنود في أبين ناقلات نفط خام كانت في طريقها إلى عدن للمطالبة برواتب متأخرة، ورغم نجاح وساطة محلية في الإفراج عن الشاحنات، واصلت محطة الرئيس العمل بعجز، إذ لم تتلقَّ سوى أربع ناقلات من أصل سبع مطلوبة يوميًا لضمان التشغيل المستقر.

في ديسمبر، أوقفت الاشتباكات في حضرموت إنتاج النفط لعدة أيام، مع تنافس جماعات مسلحة على السيطرة على حقول المسيلة الحيوية وبنيتها التحتية، فيما أدى تعليق شحنات الوقود إلى انقطاع شبه كامل للتيار في المنطقة. أفادت تقارير بأن اضطراب إمدادات الغاز تسبب في أعطال واسعة النطاق في منظومة الكهرباء، ما أدى إلى فقدان أكثر من 85٪ من القدرة التوليدية للشبكة في معظم مناطق وادي حضرموت، إلا أن المشكلات كانت قائمة بالفعل. أفادت المؤسسة العامة للكهرباء في وادي حضرموت بأن إمدادات الديزل أخذت في التراجع تدريجيًا بعد 11 أكتوبر، من نحو 210 ألف لتر يوميًا إلى 160 ألفًا، قبل أن تهبط في 17 نوفمبر إلى مستوى قياسي متدنٍ بلغ 120 ألف لتر يوميًا. رغم تأكيد المؤسسة أنها بذلت جهودًا لتأمين الوقود، لم يطرأ أي تحسن على الإمدادات حتى نهاية العام.

في عدن، أثرت المواجهات العسكرية على المحطات التي تعتمد على الوقود القادم من حضرموت بشدة، ولم يحصل السكان إلا على ساعتين من الكهرباء كل 13 ساعة، وبينما اضطرت معظم محطات التوليد العاملة بالديزل والمازوت إلى التوقف الكامل، استمرت محطة الرئيس في عدن (التي تشغلها شركة بترومسيلة) في العمل بقدرة مخفّضة بلغت 65 ميجاواط. تُعد محطة بترومسيلة تجسيدًا واضحًا لضعف الكفاءة وسوء الإدارة الحكومية؛ فعلى الرغم من أن قدرتها الاسمية تبلغ 270 ميجاواط، فإنها لم تعمل تاريخيًا إلا بقدرة 60 ميجاواط، وقد شهدت مؤخرًا تحسنًا جزئيًا مع إدخال مولد ثانٍ، ما رفع الإنتاج إلى نحو 148 ميجاواط، غير أن بقية طاقتها لا تزال خارج الخدمة بسبب مشكلات فنية لم تتمكن الحكومة من معالجتها.

لا تزال مدن عديدة خاضعة لسيطرة الحكومة تعاني من نقص مزمن في الكهرباء، ما أعاق تقديم الخدمات الأساسية مثل المياه والرعاية الصحية وأنظمة الصرف الصحي، وقد وفرت حلول مؤقتة بعض الانفراج، لكنها لم تعالج الأسباب الجذرية للأزمة. من دون حلول دائمة لتحسين البنية التحتية للطاقة وتأمين خطوط الإمداد من التدخلات العسكرية المحلية، ستظل الحكومة عرضة لأزمات كهرباء متكررة.

أزمة الغاز تضرب عدن

شهدت عدن ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحكومة نقصًا واسع النطاق وحادًا في إمدادات الغاز منذ أواخر نوفمبر حتى ديسمبر، فيما حال عدم الاستقرار السياسي والصراعات الداخلية دون التوصل إلى حل فعّال. أدى الاضطراب إلى طوابير طويلة من السيارات والحافلات أمام عدد محدود من المحطات التي ظلت تعمل، وبذريعة نفاد الكميات، أغلقت عشرات المحطات الحكومية في عدن أبوابها فجأة، ما أدى إلى تنامي نشاط السوق السوداء. راوحت سعر أسطوانة الغاز سعة 20 لترًا بين 13 ألف و15 ألف ريال يمني خلال النصف الثاني من ديسمبر، بزيادة تجاوزت 52٪ مقارنة بالسعر الرسمي البالغ 8500 ريال.

تعود الأزمة إلى مزيج من عوامل مترابطة، من بينها اشتباكات قبلية متكررة وعمليات قطع طرق أعاقت خطوط الإمداد، وضعف آليات التوزيع، إضافة إلى تعمد خلق ندرة مصطنعة لتعظيم أرباح السوق السوداء. في البداية، عزت وسائل إعلام الاضطراب إلى تجدد الاشتباكات القبلية في مأرب وقطع طرق في أبين، فقد أدى حصار قبلي بدأ في 29 نوفمبر إلى منع الشحنات من مغادرة القطاع 18 في مأرب، الذي تديره شركة صافر. لاحقًا، رفعت قوات الأمن في أبين الحصار وأعادت فتح الطريق الدولي، ما سمح للناقلات بالتوجه إلى عدن، غير أن النقص استمر، وانتشرت اتهامات بعمليات ابتزاز وممارسات احتكارية. شوهدت عشرات ناقلات الغاز تنتظر لساعات عند نقطة العلم على مدخل عدن، حيث كانت تُحصّل إتاوات غير قانونية، وأفادت تقارير بأن بعض الشاحنات كانت تُحوّل بعيدًا عن محطات التوزيع إلى ساحات تجار خاصين لخلق ندرة ورفع الأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة، كما أن انتظام العمل وغياب الازدحام في محطات الوقود بمحافظة أبين المجاورة يعزز الشكوك بوجود تلاعب في السوق المحلي.

جاء رد الحكومة على الأزمة بطيئًا ومحدودًا؛ ففي 8 ديسمبر، عقد محافظ عدن آنذاك أحمد لملس اجتماعًا مع ممثلين عن مصفاة عدن وشركة الغاز، جرى خلاله الاتفاق على ضخ كميات من الغاز المخزن في المصفاة لتخفيف الأزمة، كما أصدر لملس توجيهًا بمنع خروج أي شحنات غاز من عدن إلى مدن أخرى، وأفادت وسائل إعلام بأن عدن ستستقبل قريبًا ست ناقلات غاز. منتصف ديسمبر، أعلنت الشركة اليمنية للغاز أنها ضخت كميات كافية لمعالجة النقص واستعادة استقرار السوق، مشيرة إلى إرسال 461 ناقلة غاز، بما يعادل نحو مليون و852 ألف أسطوانة، لتلبية الطلب في عدن ومحافظات أخرى، غير أن استمرار الأزمة يشير إلى أنها لم تكن ناجمة فقط عن تأخر الإمدادات، بل عن اختلالات في إدارة التوزيع وتنظيم السوق.

أجبرت الأزمة السكان على تبني استراتيجيات تكيّف مكلفة، من بينها دفع مبالغ إضافية لنقل الغاز من مناطق بعيدة أو شراء وجبات جاهزة بأسعار مرتفعة بسبب انعدام غاز الطهي في المنازل، كما أعاقت حالة التفكك المؤسسي الناجمة عن التصعيد العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي الجهود الرامية إلى احتواء الأزمة.

الحكومة توقع اتفاقًا لتطوير ميناء المخا

أعلنت الحكومة المعترف بها دوليًا عن مشروع بنية تحتية كبير لتطوير ميناء المخا غربي محافظة تعز، ووقّعت وزارة النقل، ممثلة بمؤسسة موانئ البحر الأحمر، مذكرة تفاهم مع شركة بريما للاستثمار المحدودة لإعادة تأهيل الميناء وتطويره وتشغيله. وفقًا لما أُعلن، تبلغ تكلفة المشروع 138٫9 مليون دولار أمريكي، ويتضمن إنشاء رصيف بحري جديد بطول 280 مترًا وبغاطس يصل إلى 12 مترًا، إضافة إلى رصيف بطول 50 مترًا لرسو القاطرات والسفن الصغيرة، وساحات حاويات، ومستودعات، وصوامع، ومبانٍ خدمية وإدارية.

قال وزير النقل عبدالسلام حميد إن «تطوير الميناء يمثل خطوة محورية لتحسين كفاءته التشغيلية واستعادة دوره التجاري بعد سنوات طويلة من التوقف»، ويقع الميناء على ساحل البحر الأحمر، ويتمتع بإمكانات تؤهله للعب دور أكبر في التجارة الإقليمية. من جانبه، أوضح المدير العام للميناء، عبد الملك الشرعبي، أن المشروع سيزيد الطاقة الاستيعابية، بما يمكّن الميناء من استقبال 195 سفينة سنويًا ومناولة ما يصل إلى 2٫27 مليون طن من البضائع سنويًا، مع إمكانية التوسع مستقبلًا. أشار حميد إلى أن الاتفاق يستند إلى التشريعات المنظمة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، غير أنه لم يتضح ما إذا كانت الحكومة قد اتبعت الإجراءات القانونية اللازمة لاختيار شركة بريما للاستثمار المحدودة. يشترط قانون المناقصات والمزايدات في اليمن التزام المناقصات العامة بمعايير معينة من الشفافية بهدف تعزيز المنافسة، ولم توضح الحكومة طبيعة الاتفاق أو شروطه القانونية والمالية، ما أثار انتقادات وتساؤلات حول الجهات المستفيدة.

أفادت وسائل إعلام بأن شركة بريما مرتبطة بمجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports Group)، وهي شركة إماراتية متخصصة في تطوير وإدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، وتُعد إحدى الشركات التابعة لشركة أبوظبي القابضة المملوكة لحكومة أبوظبي، غير أن الوضع المستقبلي للمشروع يظل غير واضح في أعقاب الانسحاب الإماراتي الأخير من اليمن.

مصرف الرافدين العراقي يغلق فرعه بصنعاء

أغلق مصرف الرافدين العراقي، المملوك للدولة وأحد أقدم المصارف العربية العاملة في اليمن منذ العام 1982، عملياته في صنعاء، وذلك في أعقاب ضغوط دولية لقطع مصادر التمويل عن الحوثيين بعد تصنيفهم كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، وفرض عقوبات ذات صلة.

أفادت تقارير بأن المصرف تعرض لضغوط مكثفة من وزارة الخزانة عقب التصنيف، وواجه اتهامات بمعالجة مدفوعات مالية لصالح الجماعة، وظهرت هذه المزاعم عقب اجتماع رفيع المستوى عُقد في واشنطن أواخر أبريل بين نائب وزير الخزانة الأمريكي آنذاك مايكل فولكندر ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين. ذكرت التقارير أن فولكندر حذّر حسين من ضرورة توقف المصرف عن التعامل مع الحوثيين ونقل عملياته إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، ورد حسين بأن العراق لا يعترف إلا بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ويتعامل معها، وهي التي تحتفظ بسفارة في بغداد، ونفى وجود أي معاملات مع الحوثيين في صنعاء، وتعهد «بالتحقق شخصيًا من ذلك»، كما نفت السفارة العراقية في واشنطن الاتهامات، وأكدت أن فرع مصرف الرافدين في صنعاء «متوقف عن العمل منذ العام 2017». في أغسطس، وقع المصرف «اتفاق شراكة مهنية» مع شركة الاستشارات المالية الأمريكية «K2 Integrity» في إطار جهوده للامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، غير أن الاتهامات تجددت في نفس الشهر، حين دعا عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون وزارة الخزانة إلى فرض عقوبات على المصرف بدعوى معالجته مدفوعات لصالح الحوثيين. كان ويلسون قد طالب سابقًا بفرض عقوبات على المصرف، مستندًا إلى مزاعم تفيد بأن الرافدين يسهل تحويلات مالية واسعة النطاق إلى إيران.

بحلول أغسطس 2025، كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على أكثر من 35 مصرفًا من أصل 72 مصرفًا عراقيًا أو قيّدت تعاملاتها بالدولار. كان مصرف الرافدين محل تدقيق متزايد بسبب ما يُنظر إليه على أنه افتقار إلى الشفافية، كما أفادت تقارير إعلامية بأن الحكومة الاتحادية العراقية استخدمت المصرف لمعالجة وصرف رواتب عناصر قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، وأثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت هذه القوات قد استغلت ثغرات في النظام المالي العراقي لتحويل أموال إلى قوى أخرى مدعومة من إيران، من بينها الحوثيون.

بدوره، بدأ بنك قطر الوطني – اليمن إجراءات التصفية النهائية لفرعه في صنعاء، وخلال ندوة إلكترونية نظمها مركز صنعاء منتصف يونيو، قال محافظ البنك المركزي اليمني بعدن إن المؤسستين قررتا التصفية بعد شبه توقف كامل لعملياتهما. كان البنك العربي، ومقره الأردن، قد اتخذ قرارًا مماثلًا وبدأ بإغلاق فروعه في صنعاء وتعز وإب العام الماضي.

من شأن الإغلاق الجماعي لعمليات المصارف الأجنبية في اليمن أن يدفع إلى خروج رؤوس أموال أجنبية، مما يعمّق التحديات الاقتصادية والمالية القائمة، فقد أدى المناخ المالي الخانق الذي فرضته سلطات الحوثيين، عبر تجميد أصول الدين العام وفرض ضرائب غير قانونية والتدخل المباشر في الأنشطة المصرفية، إلى جانب انقسام البنك المركزي، إلى خلق بيئة مالية وتنظيمية معقدة، كما أن تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية زاد من تعقيد التحديات القائمة ورفع من مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار في اليمن.

الحوثيون يعرضون أرضًا تابعة لبنك التضامن في مزاد علني

في 28 أكتوبر، أعلنت المحكمة الجزائية المتخصصة بصنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، عن تنظيم مزاد علني لبيع قطعة أرض مساحتها 123٬978 مترًا مربعًا مملوكة لبنك التضامن، أحد أكبر المصارف اليمنية الخاصة من حيث حجم الودائع والأصول، وتقع في حي الستين بمدينة صنعاء. حدد إعلان الحوثيين سعرًا مرتفعًا بلغ 3٫099 مليار ريال يمني (نحو 5٫8 مليون دولار أمريكي) للمزاد الذي تقرر عقده في 16 نوفمبر.

أتى هذا المزاد، وهو الثاني من نوعه، في سياق استراتيجية أوسع ينتهجها الحوثيون لمصادرة ممتلكات معارضيهم الذين يتحدون سلطتهم، غالبًا بذريعة تهم مختلفة، من بينها الخيانة. منذ العام 2017، نفذت الجماعة حملات واسعة لنهب منازل وعقارات مئات المعارضين لها، كما وظّف الحوثيون مؤسسات الدولة، مثل الجهاز القضائي والبنك المركزي اليمني بصنعاء، لتوفير غطاء قانوني لعمليات مصادرة الأصول، ولتبرير مصادرة أصول بنك التضامن، زعم الحوثيون أن الأرض مرتبطة بالرئيس السابق عبدربه منصور هادي. ردًا على ذلك، أصدر البنك المركزي اليمني بعدن بيانًا حذر فيه من فرض عقوبات محلية ودولية وشيكة على أي أفراد أو جهات متورطة في الإجراءات غير القانونية التي تستهدف عقارات وأصول البنوك والمؤسسات المالية. أكد البنك أن «أي اتفاقات أو عقود بيع أو نقل ملكية أو رهونات أو معاملات أخرى ناتجة عن مثل هذه الإجراءات تُعد باطلة وغير قانونية، وصادرة عن جهات مصنفة كمنظمات إرهابية، وتعرض أصحابها لفقدان حقوقهم المالية والمساءلة القانونية الكاملة.»

إحباط محاولة حوثية لتهريب مطابع عملة

في الـ 2 من أكتوبر، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب بعدن إحباط محاولة حوثية لتهريب شحنة من مطابع العملة الحديثة. كانت الشحنة قد وصلت من ألمانيا عبر ميناء الحاويات في عدن، في عملية نُفذت بالتنسيق مع مصلحة الجمارك، وأحال جهاز مكافحة الإرهاب الواقعة إلى البنك المركزي اليمني في عدن، الذي بدوره تقدم بطلب رسمي إلى النيابة العامة للتحفظ على المطابع وإخضاعها للفحص الفني.

كشف تحقيق أجرته الوحدة الاقتصادية بمركز صنعاء أن المطابع استوردتها شركة تُدعى «Printers Aid Company Ltd.»، وهي وكيل معتمد وشريك تعاقدي لشركة «Heidelberger Druckmaschinen AG» الألمانية، وتتخذ الشركة من صنعاء مقرًا لها، وهي مملوكة لشركة المهدي، التي تُعد جزءًا من شبكة أعمال أوسع مرتبطة بجماعة الحوثيين، والمطابع المصادرة من طراز «Heidelberg SM 74-10P»، ومجهزة للطباعة التجارية لمواد التغليف والملصقات ومنشورات الطباعة بكميات كبيرة، ويمكنها طباعة أوراق نقدية، لكنها تفتقر إلى العلامات الأمنية التي تُثبت أصالة العملة الرسمية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قادرة على طباعة أوراق الريال اليمني.

أسمنت مستورد يدخل الأسواق

أدى القصف الإسرائيلي لمصانع الإسمنت في الحديدة وعمران الخاضعتين لسيطرة الحوثيين في مايو إلى التحول سريعًا نحو الاعتماد على موردين خارجيين لتلبية الطلب المحلي، وأفادت وسائل إعلام بأن أسواق صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين بدأت فجأة بيع أكياس إسمنت تحمل علامات توحي بأنها مُنتجة محليًا من مصنع إسمنت عمران الوطني. أقرت المؤسسة العامة للإسمنت لاحقًا بأن الإسمنت كان مستوردًا قبل إعادة وسمه، معتبرة أن ذلك كان ضروريًا لسد فجوة الإمدادات عقب توقف مصانعها بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية، غير أن جمعية حماية المستهلك اليمنية في صنعاء أعلنت عزمها تقديم شكوى إلى النائب العام، وأكدت الجمعية أن إعادة وسم الإسمنت تشكل مخالفة جسيمة لعدة قوانين، من بينها قانون حماية المستهلك رقم 46 لسنة 2008، ودعت الجهات المعنية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة.

فريق خبراء الأمم المتحدة يوثق آليات استخراج الحوثيين للإيرادات

وثّق أحدث تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن استمرار الحوثيين في توليد الإيرادات عبر ضرائب جباية قسرية، ومصادرات ورسوم غير قانونية، وابتزاز، وأنشطة تهريب، رغم العقوبات المالية المفروضة على الجماعة.

اعتمد الحوثيون نظامًا ضريبيًا مشددًا ومصادرةً واسعةً للأصول بهدف تمويل عملياتهم واستدامتها، وتشمل أبرز مصادر الإيرادات الرسوم المفروضة على الأفراد والشركات، وضريبة مبيعات على سلع مثل الوقود والسجائر، وضريبة عامة على جميع الواردات، كما تحصل الجماعة على حصة كبيرة من فائض الأرباح في مختلف القطاعات، مع تركيز خاص على القطاعين المالي والمصرفي.

يُعد قطاع الاتصالات مصدرًا مربحًا آخر يتيح للجماعة الوصول إلى إيرادات كبيرة؛ فعلى الرغم من انتقال عدد من شركات الاتصالات إلى عدن، لا تزال أجزاء واسعة من بنيتها التحتية موجودة في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ويتولى موالون للجماعة قيادة وزارة الاتصالات والمؤسسة العامة للاتصالات، بما يضمن سيطرتها التشغيلية والمالية، وتخضع شركات الاتصالات الخاصة بدورها لإشراف هذه الجهات الحكومية. يُقدّر أن الحوثيين يجمعون نحو 20 مليون دولار أمريكي شهريًا من عائدات التجوال والمكالمات الدولية، بما في ذلك الاستخدام من قبل مشتركين في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة. أشارت شركة يمن موبايل في تقريرها السنوي للعام 2024، إلى أنها دفعت 26 مليار ريال يمني (نحو 16 مليون دولار أمريكي) زكاة وضرائب دخل للجماعة. بصورة إجمالية، يُقدّر أن الحوثيين يجمعون سنويًا نحو 150 مليار ريال يمني (ما يعادل نحو 92 مليون دولار أمريكي) من قطاع الاتصالات، العام والخاص.

جمع الحوثيون أيضا إيرادات من قطاع الطيران المدني، غير أن هذه الموارد توقفت منذ أبريل 2025، عقب إعادة تصنيف الولايات المتحدة للجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية، وكانت مصادر الإيرادات الأخرى تشمل رسوم الهبوط والإقلاع في مطار صنعاء الدولي، ورسوم الأمتعة الزائدة للمسافرين، ورسوم الشحن، قبل أن يصبح المطار خارج الخدمة عقب الغارات الجوية الإسرائيلية. في أغسطس 2024، جمدت الجماعة 120 مليون دولار أمريكي تعود للخطوط الجوية اليمنية، كما واصلت الاستيلاء على مؤسسات تجارية ومالية؛ ففي يوليو، استولى الحوثيون على بنك اليمن والخليج وعيّنوا المسؤول رفيع المستوى رائد الشاعر حارسًا قضائيًا على البنك، كما عُيّن مؤخرًا أحد الموالين للجماعة عضوًا في مجلس إدارة شركة كمران للصناعة والاستثمار.

أورد التقرير أيضًا تفاصيل بشأن القيود التي فرضها الحوثيون على وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وتحويل مسار المساعدات، بما في ذلك الإمدادات الطبية، لتحقيق مكاسب اقتصادية، ووفقًا للتقرير، «هرب العديد من العمال وانتقلت الشركات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة خوفًا من التهديدات والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري أو مصادرة الممتلكات»، كما تعرضت الجهات الإنسانية لضغوط لتوظيف أفراد يختارهم الحوثيون، بما يضمن توافق قوائم المستفيدين وآليات توزيع المساعدات مع مصالح الجماعة. غالبًا ما تطالب الجماعة بحصة من أموال المشاريع، مستغلة العمل الإنساني لتعزيز إيراداتها وتمويل مجهودها الحربي. ويتم الاستيلاء على المساعدات وبيعها، كما جرى الاستيلاء على سلال غذائية وتحويلها إلى مقاتلي الحوثيين، ومارست الجماعة ضغوطًا على زعماء قبليين لتقديم مجندين جدد، بمن فيهم أطفال، مقابل الحصول على مساعدات، ولا يزال أكثر من 70 موظفًا أمميًا رهن احتجاز الحوثيين، إضافة إلى عدد كبير من موظفي المنظمات الدولية وأفراد من المجتمع المدني.

الهوامش
  1. تُبرز حالة رأس العارة، الواقعة في جنوبي غرب محافظة لحج المطلة على بحر العرب، مدى تحويل الأموال بعيداً عن الخزانة العامة. فهذا الميناء، الخاضع لسيطرة السلطة المحلية في لحج وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً، شهد اختلاس مئات الملايين من الريالات اليمنية من قبل مسؤولين مختلفين. كما يُعد الميناء موقعاً رئيسياً لعمليات تهريب واسعة النطاق للمواد المحظورة (بما في ذلك المبيدات السامة، والسجائر، والأدوية)، ونقطة دخول للمهاجرين الأفارقة.
  2. دعا البيان محور تعز العسكري إلى الكف عن التدخل في موارد الدولة وتحصيل الإتاوات غير القانونية في الطرق الخاضعة لسيطرته، كما دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق لإحالة الوحدات المتورطة في الاختلاس إلى الجهات القانونية المختصة. قدرت مذكرة صادرة عن وزارة الإدارة المحلية في يوليو أن القوات التابعة لمحور تعز استولت على 2.23 مليار ريال يمني من ضرائب القات خلال فترة عام واحد، من مايو 2024 إلى مايو 2025. يُعد تحويل الإيرادات العامة من قبل الوحدات العسكرية في تعز ورفضها إيداعها في خزينة الدولة من القضايا المستمرة منذ فترة طويلة، وقد دعا وزير الدفاع السابق، محسن الداعري، محور تعز صراحةً إلى وقف كافة الانتهاكات في سبتمبر 2024، وكرر ذلك مجدداً في نهاية يونيو 2025. من جانبه، برر محور تعز عملية استخلاص الإيرادات بالإشارة إلى عدم تلقيه أي دعم من الحكومة المركزية باستثناء إمدادات غذائية متقطعة وشحنات وقود غير منتظمة. كما ادعى المحور أن جنوده يتقاضون رواتب أقل من الوحدات المتمركزة في المحافظات الأخرى. دعا البيان محور تعز العسكري إلى الكف عن التدخل في موارد الدولة وتحصيل الإتاوات غير القانونية في الطرق الخاضعة لسيطرته، كما دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق لإحالة الوحدات المتورطة في الاختلاس إلى الجهات القانونية المختصة. قدرت مذكرة صادرة عن وزارة الإدارة المحلية في يوليو أن القوات التابعة لمحور تعز استولت على 2.23 مليار ريال يمني من ضرائب القات خلال فترة عام واحد، من مايو 2024 إلى مايو 2025. يُعد تحويل الإيرادات العامة من قبل الوحدات العسكرية في تعز ورفضها إيداعها في خزينة الدولة من القضايا المستمرة منذ فترة طويلة، وقد دعا وزير الدفاع السابق، محسن الداعري، محور تعز صراحةً إلى وقف كافة الانتهاكات في سبتمبر 2024، وكرر ذلك مجدداً في نهاية يونيو 2025. من جانبه، برر محور تعز عملية استخلاص الإيرادات بالإشارة إلى عدم تلقيه أي دعم من الحكومة المركزية باستثناء إمدادات غذائية متقطعة وشحنات وقود غير منتظمة. كما ادعى المحور أن جنوده يتقاضون رواتب أقل من الوحدات المتمركزة في المحافظات الأخرى.
الكتاب
وضاح العولقي

كبير الاقتصاديين

يشغل وضاح العولقي منصب كبير الاقتصاديين في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية منذ عام 2019. ويتمتع بخبرة تزيد عن عقد من الزمن في مجال البحوث الاقتصادية والتحليل وتطوير السياسات المتعلقة باليمن. وقد شغل عدة مناصب رئيسية في البنك المركزي اليمني، أشرف… اقرأ المزيد.

إصدارات ذات صلة

الإصدارات الأكثر قراءة