إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

البيضاء ووصمة الإرهاب

Read this in English Read this in English

نحو الساعة الثامنة مساءً، سمعنا أصوات طائرات تحلّق فوق رؤوسنا لفترة وجيزة قبل أن تخفت، وفي حدود الساعة الواحدة صباحاً، جرت عملية إنزال جوي بمروحية (أباتشي) أُنزل منها جنود أمريكيون، هبطت على ارتفاع منخفض قرب منزل الشيخ عبد الرؤوف الذهب، فاقتحم الجنود المنزل. سمعنا إطلاق النار متواصلاً حتى الفجر، ومروحيات الأباتشي تحوم في السماء. كان كل من يحاول الفرار من المنزل أو من المنازل المجاورة يُستهدف بالطائرات. حتى النساء والأطفال الذين حاولوا الهرب لقوا حتفهم.

شهادة أحد السكان المحليين الذين شهدوا الغارة الأمريكية على يكلا، البيضاء، عام 2017

تُعدّ البيضاء إحدى أهمّ محافظات اليمن من حيث الموقع، إذ تُحاذي ثماني محافظات أخرى، وكانت إحدى محافظات التماس بين شمال اليمن وجنوبه قبيل الوحدة عام 1990، ويتمتع سكانها ذوو الغالبية الشافعية (السنة) بعلاقة صراع تاريخي مع الدول الزيدية القادمة من الشمال، حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، ضد الأئمة الزيديين، التي كان لأبناء المحافظة فيها مشاركة حاسمة. اليوم، يرى كثير من سكانها في الحوثيين امتداداً لتلك الدول الزيدية. لقد جعل الحوثيون من المحافظة واحدةً من أوائل أهداف توسعهم عقب سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر 2014، تحت ذريعة حماية المواطنين من تنظيم القاعدة، فتعرضت مناطق عدة من المحافظة للحصار والتهجير والقصف، ولم تتوقف الصراعات بين الجماعة وسكان المحافظة حتى اليوم، رغم فارق القوة الكبير لصالح الحوثيين، الذين يتفوقون على القوى القبلية المحلية التي يواجهونها عدداً وعتاداً ودعماً مالياً ولوجستياً، ولا يتوانون عن وصفها بالإرهاب. لقد وفّرت وصمة الارتباط بالقاعدة للحوثيين ذريعة للتوسع العسكري والهيمنة والقمع، كما استقطب وجود التنظيم ضربات جوية أمريكية، وعلى الرغم من أن التنظيم لم يعد يمتلك حضوراً حقيقياً يُذكر في المحافظة، فإن البيضاء لا تزال تدفع ثمن ما أُلصق بها من ارتباط بالقاعدة.

إرث آل الذهب: الصراعات العائلية وارتباطها بتنظيم القاعدة

بالنسبة لمواطني البيضاء، اقتصرت تجربتهم الأولى مع تنظيم القاعدة على خلافٍ داخل أسرة آل الذهب؛ إذ كان ثلاثة من الإخوة، هم طارق ونبيل وقائد، يُعدّون من المنتمين إلى التنظيم، وخاضوا صراعاً مع أخيهم الأكبر، الشيخ القبلي والبرلماني علي الذهب، بدعوى أنه صادر حقوقهم بعد وفاة والدهم، وطردهم علي من المنطقة، فانتقلوا إلى صنعاء.

انضم طارق لاحقاً إلى تنظيم القاعدة عبر صهره اليمني الأمريكي أنور العولقي، الذي تعرّف إليه في سجن الأمن السياسي بصنعاء بين عامَي 2006 و2007، قادا مطلع العام 2012، قوات التنظيم للاستيلاء على مدينة رداع في البيضاء، وأعلنت القوات مبايعتها لأيمن الظواهري، زعيماً دولياً للقاعدة، ولطارق أميراً على رداع.

اكتسب طارق مكانةً اجتماعية خارج التنظيم لما عُرف عنه من النزاهة في الحكم في الفصل بين المتخاصمين؛ فكانت القبائل تلجأ إليه للتحكيم في نزاعاتها، لما عُرف عنه من الحكم بالحق ورفض الرشاوى والأتعاب، وقد انسحب طارق نفسه من المدينة إثر وساطة قبلية وتسوية مع الدولة، إذ تم الاتفاق على انسحابه إلى المناسح — قرية طارق بمديرية ولد ربيع شمال غرب المحافظة — مقابل الإفراج عن أخيه نبيل الذهب من سجن الأمن السياسي.

عام 2012، انسحب طارق إلى قريته، غير أنه قُتل على يد أخيه حزام بعد أيام قليلة، فقام أنصاره من التنظيم بدورهم بتصفية حزام، الذي اتُّهم بأنه كان يعمل لصالح الدولة. سيطر التنظيم على منطقة المناسح شمال غرب المحافظة لأشهر، قبل أن ينسحب منها بوساطة قبلية أخرى، بيد أن وصمة الارتباط بالقاعدة لحقت بأسرة آل الذهب بأسرها، حتى أولئك الذين لم ينتموا إلى التنظيم؛ فقد نُصِّب أخ آخر، عبد الرؤوف الذهب، شيخاً لمديرية ولد ربيع، وتعامل مع السلطات الرسمية، بل التقى بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وقاتل إلى جانب الحكومة اليمنية ضد الحوثيين، وعمل مع مجموعات المقاومة الشعبية المنسّقة مع الحكومة لتشكيل ألوية عسكرية تهدف إلى تحرير رداع والبيضاء. نتيجةً لتصاعد الضغط القبلي، انسحبت عناصر التنظيم إلى منطقة يكلا المحاذية لمأرب.

مهّدت حالة عدم الاستقرار والتوتر الناجمَين عن الصراع القبلي العائلي ونشاط تنظيم القاعدة الطريقَ أمام الحوثيين للسيطرة على المحافظة في أكتوبر 2014. ارتكبت الجماعة انتهاكات جسيمة بهدف تركيع القبائل وإذلال زعمائها، فأعدم الحوثيون أربعة مشايخ من قبيلة آل عمر في مديرية ذي ناعم جنوبي البيضاء عام 2016، في أماكن عامة، فضلاً عن اعتقال كثيرين وقتلهم، ومنهم من لقي حتفه تحت التعذيب في مواقع احتجاز الحوثيين.

دعم بعض مقاتلي تنظيم القاعدة القبائلَ في معاركها ضد الحوثيين بعد العام 2014، غير أن التنظيم لم يعد يشكّل تهديداً حقيقياً بوصفه قوةً متماسكة، بل غدا عبئاً خطيراً. كان الخطر الأبرز آنذاك هو المتواجدون في أحياء سكنية، وكانت البيضاء لسنوات مسرحاً لضربات الطائرات المسيّرة الأمريكية والعمليات الجوية، ولجأ المواطنون مراراً إلى الوساطات القبلية لإقناع عناصر التنظيم بالانسحاب من مناطقهم، وكان التنظيم في الغالب يمتثل.

فسّر البعض العمليات الأمريكية ضد القاعدة في المحافظة باعتبارها خدمةً للحوثيين، إذ سهّلت الضربات الجوية على عناصر التنظيم توسّعَ الحوثيين السريع في مناطق المحافظة، وكان من بين تلك العمليات غارةٌ نفّذها نحو 30 عنصراً أمريكياً أُنزلوا بمروحيات أباتشي على قرية يكلا في شمال غرب محافظة البيضاء، في التاسع والعشرين من يناير 2017، وأسفرت العملية عن مقتل نحو 25 شخصاً، من بينهم نساء وأطفال، في حين يظل العدد الفعلي لعناصر القاعدة بينهم مجهولاً، وقد رسّخت هذه العملية السردية السائدة التي تصوّر المنطقة بوصفها بيئةً حاضنة للإرهاب. واصل الحوثيون توسّعهم، وعام 2021، أعلنت الجماعة القضاء على عناصر تنظيم القاعدة واستكمال سيطرتها على المحافظة.

حملة حوثية متواصلة من العنف ضد سكان البيضاء

اتسمت العلاقة بين الحوثيين ومواطني البيضاء بالعداء الصريح أو المضمر وانعدام الثقة، مع تكرار موجات القمع الشديد والعنف ضد السكان المحليين؛ فمنذ توغّل الجماعة عام 2014، لم تتوقف المواجهات بينها وبين السكان، وعانت قرى كثيرة من جولات متعددة من الاشتباكات والعنف. يمارس الحوثيون بصفة منتظمة تدمير منازل مناهضيهم في البيضاء عقاباً جماعياً، وقد رُصدت حالات من ذلك في حارة الحفرة برداع، وقرى حنكة آل مسعود، وخبزة، وحمة صرار، والزوب بمنطقة قيفة، وآل حميقان بمديرية الزاهر. حتى العام 2020، كان الحوثيون قد فجّروا قرابة 816 منزلاً، منها 124 منزلاً بمحافظة البيضاء وحدها. الجدير بالذكر أن هذه الممارسات استمرت حتى بعد أن أعلنت الجماعة القضاء على تنظيم القاعدة في البيضاء واستكمال سيطرتها على المحافظة في سبتمبر 2021. رغم أن الحوثيين برّروا توسّعهم العسكري في البيضاء في البداية بذريعة مكافحة الإرهاب، فإن استخدامهم للعنف القمعي لم يتوقف في غياب أي نشاط للتنظيم.

بين عامَي 2014 و2017، نزحت 350 أسرة من قرية الزوب في البيضاء جراء حصار الحوثيين للقرية، وكانت أشد المواجهات في يونيو 2015، حين اضطر معظم سكان القرية إلى النزوح، ثم تجددت الاشتباكات في مارس 2016 وسبتمبر 2020. منع أبناء القرية مقاتلي الحوثيين من المرور بالطريق المارة عبر قريتهم إبّان محاولة الجماعة التوغل داخل قرى البيضاء، وأسفر القصف العشوائي عن تضرر خزانات المياه والآبار وشبكات الاتصالات وخطوط الكهرباء، فيما مُنع المدنيون – ولا سيما النساء والأطفال – من الإخلاء لتلقّي العلاج، وجرى نهب المنازل والمحال التجارية والمركبات أو تفجيرها، وسُرقت المستلزمات الطبية من المستشفى الوحيد في المنطقة، وأُحرقت صهاريج الوقود، ودُمّرت مزارع القات. قُتل تسعة وعشرون مواطناً، وخُطف أو اعتُقل مئة آخرون. أفضت وساطة قبلية إلى اتفاق بانسحاب الحوثيين مقابل توقف أبناء القرية عن مقاومتهم، غير أن الحوثيين نقضوا الاتفاق بعدها بعامين، إذ قصفوا عدة منازل واقتحموا القرية بالدبابات.

فجّر الحوثيون أغلب منازل قرية خبزة عام 2014، خلال توسّعهم إلى البيضاء، وشُرِّد نحو 200 أسرة من القرية، وتم الاتفاق على عدم دخول الحوثيين إليها، غير أنهم في يوليو 2022، زعموا أن ثلاثة من مسلحيهم قُتلوا في نقطة أمنية قرب القرية، وفرضوا حصاراً عليها، فسقط سبعة عشر قتيلاً من المواطنين، واحترقت عدة منازل. اتهم الحوثيون سكان القرية بإيواء مقاتلين أجانب، دون أي دليل على وجودهم. مطلع العام 2025، طلبت قوات حوثية السماح لها بالمرور عبر القرية للتوجه إلى منطقة أخرى، فما إن توغّلت فيها حتى فرضت حصاراً شاملاً بذريعة «البحث عن مطلوبين».

أفرز الحكم الحوثي القمعي والتعسّفي مزيداً من الصراعات؛ ففي عام 2023، أقدم أحد أقارب مشرف حوثي على قتل سيف الزيلعي في حي الحفرة برداع، ويُروى أن الحادثة نشأت عن خلاف حول ضرائب القات. كان الزيلعي بائعاً للقات في سوق عريبة غرب رداع، وكان قد رفض الدفع. تابعت الأسرة القضية ووجدت دعماً من عاقل الحي علي توفيق نقوس، والسكان المحليين، إلا أنه بعد عام كامل لم تُحرز أي خطوة نحو تحقيق العدالة. ورأى أخو الضحية قاتل أخيه يمر على عربة مسلحة تابعة للحوثيين، فأطلق عليه النار وقتله، ثم لاذ بالفرار من الحي. بعد أن عجز الحوثيون عن إيجاده، قرروا تفجير منزله، فأدى الانفجار إلى انهيار المنازل المجاورة ومقتل عشرين مدنياً. إزاء موجة الاحتجاج المحلي والدولي، أعلنت قيادة الجماعة أن ما جرى تصرف فردي ووعدت بفتح تحقيق، ولا يزال نقوس والسكان يدفعون ثمن موقفهم، إذ يتعمّد الحوثيون استفزاز أبناء الحي وافتعال ذرائع للمواجهة وإشعال اشتباكات أودت بعدد من الضحايا. في الوقت الراهن، يقبع نقوس ومجموعة من شباب الحي في سجن الأمن السياسي بالبيضاء.

اندلعت المواجهات بقرية حنكة آل مسعود، في يناير 2025، حين أحكم الحوثيون قبضتهم على القرية، فاستخدموا الدبابات والطائرات المسيّرة وقطعوا الاتصالات لأيام، ونهبوا الممتلكات الخاصة وهدموا عدة منازل بالقصف، وقتلوا قرابة خمسة عشر مواطناً، وشنّوا حملة اعتقالات واسعة طالت قرابة 400 شخص، لا يزال أكثر من ستين منهم رهن الاحتجاز في صنعاء. ادّعت الجماعة أن السكان منعوا تسليمها مطلوبين، فيما أفادت مصادر من داخل القرية بأن الأهالي كانوا يطالبون بتنفيذ أمر النيابة بالإفراج عن خمسة من أبنائها.

في قرية حمة صرار شمالي غرب المحافظة، جرى هدم منازل وتدمير آبار ارتوازية إبّان الاشتباكات الأولى عام 2015. خلال أغسطس 2024، قتل مسلحون حوثيون شابّين من أبناء القرية، فخرج أهالي القرية لملاحقة القتلة ثأراً، فأوقعوا قرابة أربعة قتلى من مسلحي الجماعة، التي ردّت بجلب الدبابات والمدرعات وأحكمت حصاراً على مداخل القرية مطالبةً بتسليم المتهمين بقتل عناصرها، ولم يُرفع الحصار إلا بتسليم رهائن من عقال القرية عبر وساطات قبلية.

في سياق مشابه، منع الحوثيون منظمات الإغاثة من الوصول إلى المناطق المعارضة لحكمهم، وأضعفوا صلاحيات المسؤولين المحليين؛ إذ يُعامَل المسؤولون الرسميون بريبة وشك[1]، ويتقاضون رواتب أدنى من نظرائهم في المحافظات الأخرى.[2] وفرضت الجماعة ضرائب إضافية[3] على المحاصيل الزراعية كالقات الذي يمثّل المورد الرئيسي لأبناء المحافظة، كما فرضت رسوماً مجحفة على المكاتب الحكومية، إذ يدفع مكتب الصحة بالبيضاء رسوماً شهرية لوزارة الصحة بصنعاء تبلغ أربعة أضعاف ما يدفعه مكتب الصحة بذمار.[4]

لا يجد المواطنون تفسيراً لهذه الممارسات التمييزية إلا أنها عقاب جماعي؛ فالبيضاء من أقل محافظات شمال اليمن التي يلتحق أبناؤها بصفوف الحوثيين، وتواصل مقاومة هيمنة مشرفي الجماعة. لهذا لا يتوقف الحوثيون عن محاولة ربط مواطنيها بالإرهاب كلما اندلع صراع، وربما يكون ذلك سعياً لإيجاد غطاء سياسي، غير أن المنظمات الدولية أدانت العنف الممارس ضد المدنيين وقالت إنه قد يرقى إلى جرائم حرب. محلياً، أسهمت هذه السردية في تحييد قبائل البيضاء ومنعها من مناصرة القرى المحاصرة، خشية اتهامها بدعم الإرهاب، وربما أفضت كذلك إلى حشد مقاتلين قبليين لدعم الجماعة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

تظل العلاقة بين الحوثيين ومواطني البيضاء قائمة على عدم الثقة والعداء، وهي معادلة يسعى الحوثيون إلى تغييرها بالإخضاع والعنف، فيما يواجه المواطنون تلك المساعي بالسلاح؛ غير أن موازين القوى تميل لصالح الحوثيين، وما تخسره الجماعة من رصيد شعبي جراء عنفها المفرط يبقى رهيناً باستخدامها الحاسم للأسلحة الثقيلة والحصار وهدم المنازل، ورغم الإدانات الوطنية والدولية لممارسات الحوثيين في البيضاء، يخشى سكان المحافظة أن تلازمهم وصمة الإرهاب والعنف المصاحب لها.


أُنتج هذا المنشور في إطار المرحلة الثانية من منتدى سلام اليمن، وهو مبادرة أطلقها مركز صنعاء تهدف إلى تمكين الجيل القادم من الشباب اليمني وناشطي المجتمع المدني من الانخراط في القضايا الوطنية المحورية. يحظى المنتدى بتمويل من حكومة مملكة هولندا.

الهوامش
  1. مقابلة مع مسؤول أمني في مديرية القريشية، يونيو 2019.
  2. مقابلة مع مدير أحد المراكز الصيفية برداع، أبريل 2025.
  3. مقابلات مع مجموعة من زعماء القبائل وأبنائها، مايو 2025.
  4. مقابلة مع موظف في مكتب صحة المحافظة، أبريل 2025.
مشاركة