التشهير كسلاح: حملات استهداف القيادات النسائية اليمنية
حملت بداية العام أنباءً سارّة للنساء اليمنيات؛ فبعد 6 سنوات من الغياب التام عن الحكومة، عُيّنت ثلاث نساء في الحكومة الجديدة المُشكَّلة مطلع فبراير 2026، وأعقب ذلك التعيين التاريخي لأول سفيرة يمنية لدى الولايات المتحدة.
جاءت الإدارة اليمنية الجديدة عقب عام من الاضطراب العميق، لم تصُغه الأحداث الجارفة التي أعادت تشكيل المشهد السياسي وحدها، بل صاغته كذلك عملية اغتيال مأساوية طالت افتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين بتعز. اغتيلت المشهري في وضح النهار بـ20 رصاصة أطلقها مسلحون تابعون لكيانات سياسية محلية مسلحة ونافذة. مثّل الاغتيال المُستهدف لامرأة – وهو أمر غير مسبوق في تاريخ اليمن – نقطة تحوّل جديدة، إذ كشف عن تصاعد المخاطر التي تواجه النساء اليمنيات في مواقع القيادة، وعن الارتفاع المطّرد لتحريض ممنهج لا يجد من يردعه.
شهدت الأشهر الأخيرة موجة من حملات التشهير الإلكترونية التي استهدفت نساءً بارزات، من عضوات الحكومة المعيَّنات حديثاً إلى الناشطات في منظمات المجتمع المدني، فألقت بظلالها على لحظة التفاؤل التي رافقت الإعلان عن الحكومة الجديدة. جاءت هذه الحملات جارحة، وخاليةً من أي إثبات، وازدهرت في مناخ اتسم بالإفلات من العقاب، وأُطلقت بشكل متعمَّد، وضُخِّمت بسهولة، ونُفِّذت دون أن يدفع القائمون عليها أي ثمن شخصي، ووجدت تربةً خصبةً في التحيُّزات الاجتماعية القائمة وفي ممارسات تمييزية راسخة قائمة على النوع الاجتماعي، فلم تكن بحاجة إلى دليل يُذكر كي تنتشر. كانت أيضاً، بالنسبة لمن يراقبها، تذكيراً صارخاً بالأثمان الباهظة التي تتكبَّدها النساء اللواتي يحاولن اقتحام فضاء عام يزداد عداءً وقسوة.
ثلاث نساء، وثلاثة وجوه للتحريض والعنف
أواخر شهر مارس، اكتظَّت منصات التواصل الاجتماعي بحملة تحريض استهدفت مسك المقرمي، المديرة العامة لمنتزه التعاون بتعز.[1] ما بدأ خلافاً حول دخول مجموعة من السكان المحليين إلى المتنزه دون تذاكر، تحوَّل إلى قضية كشفت طبقات متعددة من اللامساواة الاجتماعية، في مقدمتها العنصرية، إذ تنتمي مسك إلى فئة (المهمَّشين)، إحدى أكثر الفئات المستضعفة في اليمن، وانتشرت تعليقات تحقيرية على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، تضمَّنت منشورات لمَّحت إلى خلفية مسك أو أهانتها صراحةً. قالت مسك في حديث مع إحدى معدَّات هذا التقرير: «كان الأمر لا إنسانياً ومرعباً في آن واحد: إذا كان هذا ما يُقال لي في وجهي وأنا في موقع المسؤولية، فماذا يُقال لبناتنا في المدارس؟»[2]
ثمَّة عوامل أخرى كانت تتفاعل في الخلفية، في مقدمتها الإفلات من العقاب وغياب القانون والحوكمة. تصاعد النزاع لأن الأشخاص الذين سعوا إلى دخول مرافق المسبح في المتنزه كانوا إما تحت حماية جماعات مسلحة في تعز أو منتمين إليها، ويُعدّ منتزه التعاون بتعز مشروعاً مدرّاً للإيرادات في محافظة تخضع فيها كثير من الموارد لسيطرة فصائل سياسية مسلحة، ما يجعل إدارته نقطة خلاف بين مصالح متنافسة. واجهت مسك اتهامات بسوء الإدارة وتدهور أوضاع المتنزه، في حين أن هذه الأوضاع تعود في حقيقتها إلى إخفاقات أوسع في الحوكمة.
في حين كانت صور معدَّلةٌ بالذكاء الاصطناعي لمسك تنتشر عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وتُظهرها والفئران تزحف على جسدها من كل جانب، كانت صور جميلة علي رجاء، السفيرة المعيَّنة حديثاً لدى الولايات المتحدة، تنتشر هي الأخرى. اختار مهاجموها التشهير السياسي سلاحاً؛ وعلى الرغم من مؤهلاتها وموقعها البارز في هيئة التشاور والمصالحة، فقد باتت موضع تعليقات إلكترونية عدائية زعمت دون أي إثبات أنها متحالفة مع جماعة الحوثيين (أنصار الله)، وبالتالي غير موالية للحكومة وغير مؤهلة لتولّي منصب السفيرة.
لم يكن هذا الاستهداف عفوياً؛ فمع تحوُّل الديناميكيات الإقليمية ووصول الملف اليمني إلى مفترق طرق حاسم، يأتي تعيين امرأة في منصب سفيرة لدى الولايات المتحدة، وهو أحد أكثر المناصب الدبلوماسية نفوذاً في البلاد، بعد 6 سنوات من الغياب الكامل للنساء عن المراتب السياسية العليا في اليمن، في سياق يتَّسم أصلاً بتقويض مشاركتهن السياسية.
لعل الانتصارات القانونية اللافتة التي حقَّقتها الدكتورة ألفت الدبعي، وهي عضوة أخرى في هيئة التشاور والمصالحة تعرَّضت لحملات تشهير إلكترونية شرسة، قد أسهمت لفترة وجيزة في إعادة رسم ملامح المساءلة، وأثبتت أن حملات التشهير المنفلتة تترتب عليها تبعات قانونية، غير أن المهاجمين، بدلاً من أن يرتدعوا، عمدوا إلى تغيير استراتيجيتهم؛ فالتشكيك في الولاء الوطني للمرشَّحة أنجع في نهاية المطاف من الطعن في كفاءتها المهنية، كما أن اتهام الأفراد بخدمة أجندات محلية أو إقليمية جزء من الأسلوب القديم: تهمة جاهزة تُستخدم لتقويض الشخصيات العامة.
بدورها، كانت القاضية إشراق المقطري، وزيرة الشؤون القانونية المعيَّنة حديثاً، هدفاً للهجمات الإلكترونية اللاذعة. سلكت الانتقادات التي واجهتها مساراً أكثر اعتيادا فبعد أن أدَّت اليمين الدستورية بالبنطال بدلاً من العباءة، باتت محور خطاب أُعيد فيه تقديم مظهرها واختياراتها في الملبس بوصفه مقياساً لاستقامتها الأخلاقية. في هذا التأطير، لم يعد الزيّ يُعامَل بوصفه خياراً شخصياً، بل دليلاً على «الانحلال» أو «الانحراف عن القيم» أو «الارتباط بجهات أجنبية»، وهي قوالب مألوفة اعتادت النساء اليمنيات عليها. يتحوَّل جسد المرأة ذاته إلى ساحة بديلة يُنتَج عبرها الحكم، ويمكن استخدامه في الوقت نفسه أداةً قويةً للتشهير، إذ ينتقل النقاش فوراً إلى السؤال: «هل هذه المرأة مؤهَّلة، أخلاقياً، لشغل هذا المنصب؟»
إلى جانب هذه الديناميكيات الاجتماعية والبنيوية المتأصِّلة، تكتسب هذه الحملات زخماً استثنائياً من حقيقة واحدة: إن هؤلاء القياديات نساء؛ فجنسهن جوهري في حدّة ردود الفعل العدائية التي يواجهنها وفي طبيعتها. في حالة مسك، تمثّل قصتها تقاطعاً مركَّباً بين التهميش التاريخي والعنصرية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، غير أن النساء الأربع جميعاً، ومئات غيرهن من قبل، يخضعن للنقد والتدقيق عبر عدسة شديدة التركيز محجوزة تحديداً للنساء اللواتي يجرؤن على اقتحام مواقع السلطة.
بصيص أمل: حين يصبح المتفرّجون حلفاء
في الغالب الأعم، تخوض النساء هذه المعارك وحيدات، دون أن يحظين بأي من الدعم الذي تقدّمه الكيانات السياسية أو الحزبية أو القبلية لرجل من الخلفية ذاتها أو في الموقع نفسه. هذا ما يتركهن أمام متاهة من التوترات تمتدّ من البيت إلى الشارع، وصولاً إلى أعين الجميع، وقد بات الفضاء الرقمي في اليمن موقعاً أساسياً للإساءة، مع استهداف غير متناسب للنساء في سياق تترتّب فيه على المساس بالسمعة آثار بعيدة المدى، غير أن هذا الفضاء أدخل أيضاً متغيِّراً جديداً قوياً: ردّاً على عنف رقمي وتشهير غير مسبوقَين، تشكَّلت قنوات دعم عفوية وغير منظَّمة، تقودها في معظمها نساء أخريات.
استقطب هذا الدعم، الذي يجمع بين الهويات المختلفة والتوجهات السياسية والأجيال، شباباً وشابات يمنيين يتشاركون المبادئ الكريمة ذاتها: رفض اللامساواة والعنف والتحريض والعنصرية. جاء الدعم العلني للنساء اللواتي تعرَّضن لهذه الهجمات من ممثلين سياسيين رسميين أيضا، كأمانة الحزب الاشتراكي اليمني في تعز، ومن مؤسسات رسمية، من بينها اللجنة الوطنية للمرأة. قد تُرسي هذه التعبيرات عن التضامن والمقاومة، مهما صَغُرت، أساساً لحراك أكثر تنظيماً، قادر على إرساء المساءلة وكبح صعود حملات التشهير.
يكتسب هذا الدعم أهمية متجدِّدة في سياق يمكن للتحريض فيه أن يقود إلى مأساة؛ فقد أظهرت لنا الأحداث الأخيرة بوضوح مُرعب كيف يمكن للخطاب المنفلت أن يتحوَّل إلى مقدمة لعنف قاتل. إن تبعات العنف الموجَّه ضد النساء في الحياة العامة، أياً كانت مواقعهن أو شكل هذا العنف، تتجاوز كثيراً الأذى الذي يلحق بالمرأة المستهدَفة عينها؛ فمثل هذا العنف يُقلِّص باطراد الفضاء العام المتدهور أصلاً الذي تتحرك فيه النساء، يوماً بعد يوم، كما يُخفت طموحات أخريات لم يصلن بعد. الأكثر إثارةً للقلق أنه يُجرِّئ من لا يواجهون أي مساءلة، سواء أكانوا محتمين بالسلاح والنفوذ أم بستار التخفّي والإفلات من العقاب الذي توفّره وسائل التواصل الاجتماعي.
أُنتج هذا المنشور في إطار المرحلة الثانية من منتدى سلام اليمن، وهو مبادرة أطلقها مركز صنعاء تهدف إلى تمكين الجيل القادم من الشباب اليمني وناشطي المجتمع المدني من الانخراط في القضايا الوطنية المحورية. يحظى المنتدى بتمويل من حكومة مملكة هولندا.
- منتزه التعاون بتعز مرفقٌ ترفيهيٌّ حكومي. يضمّ مسبحاً ومطعماً ومساحات خضراء للنزهات واللعب، فضلاً عن قاعات للفعاليات الفنية والترفيهية والاجتماعات، وتُؤجَّر بعض مرافقه، كالمسبح والقاعات، فيما تُتاح مرافق أخرى مجاناً للخدمات الترفيهية.
- تسجيل عبر واتساب شاركته مسك المقرمي، مع إحدى معدّات هذا التقرير، مارس 2026.
باحثة ومديرة برامج
مستشارة الجندر والمجتمع المدني
محررة وباحثة