التطورات الاقتصادية
الوضع الاقتصادي والإنساني لا يزال مزرياً
لا تزال اليمن من بين أكثر بلدان العالم انعداماً للأمن الغذائي، جراء أسوأ فجوة تمويلية منذ عقد، وتصاعد حاد في المخاطر التشغيلية، وأداء اقتصادي راكد. يرسم أحدث تقرير لتحديث الأمن الغذائي الصادر عن برنامج الأغذية العالمي صورة قاتمة؛ فقد طال الحرمان الغذائي الشديد 36 في المائة من الأسر خلال شهر مايو، ارتفاعاً من 31 في المائة في أبريل، وارتفعت نسبة عدم كفاية الغذاء المستهلك إلى 62 في المائة على مستوى البلاد، مع تجاوز المحافظات جميعها عتبة «المرتفع جداً» البالغة 40 في المائة، فيما سُجلت أعلى المعدلات في محافظات لحج وشبوة وحضرموت والضالع وأبين. وتتقارب معدلات انتشار عدم كفاية الغذاء المستهلك بين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق سيطرة الحكومة؛ غير أن التوزع السكاني غير المتكافئ يجعل عدد المحتاجين في مناطق سيطرة الحوثيين أكبر بكثير. أفادت نحو 10 في المائة من الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين و8 في المائة في مناطق سيطرة الحكومة بأن أحد أفرادها على الأقل أمضى يوماً وليلة كاملين من دون طعام.
نجم التدهور الأخير عن جملة من العوامل، منها ارتفاع الأسعار بفعل الصراع الإقليمي، وتراجع القدرة الشرائية، وانقطاعات الكهرباء المزمنة في مناطق سيطرة الحكومة. توقع أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي مزيداً من التدهور في وضع الأمن الغذائي مع اقتراب نهاية العام 2026 في مناطق سيطرة الحكومة، إذ يُقدر أن 5٫4 ملايين شخص سيعانون مستويات شديدة من الانعدام الحاد للأمن الغذائي، ومن المحركات الرئيسية لذلك العوامل الموسمية والفيضانات وتقلص الاستجابة الإنسانية.
أدى النقص الحاد في تمويل المساعدات الإنسانية إلى تراجع استهلاك الغذاء على مستوى البلاد. فقد تقلصت المساعدات الإنسانية بين عامي 2024 و2026 مقارنة بما كانت عليه بين عامي 2021 و2023، حين قُدمت مساعدات غذائية واسعة النطاق. وشهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تدهوراً أكثر حدة في استهلاك الغذاء بنسبة 36 في المائة، مقابل 27 في المائة في مناطق الحكومة، فيما كاد الحرمان الغذائي الشديد يتضاعف في مناطق الحوثيين خلال الفترة نفسها.
بدأ برنامج الأغذية العالمي تنفيذ برنامجه الجديد للمساعدات الغذائية الطارئة الموجهة في مناطق سيطرة الحكومة منتصف فبراير، وهو الآن في دورته الثالثة، وبسبب النقص الحاد في التمويل، خُفض عدد المستفيدين من 3٫4 ملايين إلى 1٫7 مليون شخص، أما عمليات البرنامج في مناطق سيطرة الحوثيين فمعلقة جميعها منذ سبتمبر 2025. تؤدي التوترات الإقليمية المستمرة إلى اضطراب سلاسل الإمداد، ما يهدد قدرة البرنامج على ضمان استقرار الحصول على الغذاء ويرفع تكاليف عملياته.
خلّف الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى تداعيات كبيرة على اليمن، إذ صدّع سلاسل الإمداد الهشة أصلاً، ما أدى إلى تفاقم التأخيرات في الموانئ الرئيسية وارتفاع تكاليف الملاحة البحرية ومخاطرها. أشار وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول إلى أن الشحنات المتجهة إلى اليمن تعطلت بصورة كبيرة، وأن كثيراً منها لم يبلغ وجهته، ومع أن سفن الشحن رست في مراكز إقليمية مثل جدة ودبي وعُمان وجيبوتي، فإن المرحلة الأخيرة من رحلتها إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحكومة باتت مقطوعة، ما يرفع كلفة الضروريات الأساسية على سكان يعانون الفقر أصلاً.
في حين ثبّتت السياسات النقدية التي انتهجتها أطراف الصراع أسعار الصرف، تظل المؤشرات الاقتصادية الكلية الأوسع قاتمة، فقد شهدت اليمن انخفاضاً مذهلاً بنسبة 60 في المائة في نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي منذ اندلاع الصراع عام 2015، ما يعكس تآكلاً عميقاً في القدرة الشرائية والطاقة الإنتاجية، ورغم توافر الغذاء في الأسواق المحلية، فإن أزمة الأمن الغذائي في اليمن تعود أساساً إلى تدني القدرة على تحمل تكاليف شرائها، فقد ارتفعت كلفة الحد الأدنى للسلة الغذائية في مناطق الحكومة بنسبة ثلاثة في المائة من فبراير إلى مايو 2026، مع تسجيل الزيت النباتي ارتفاعاً بنسبة 7 في المائة خلال هذه الفترة. تُعزى الزيادات في الأسعار أساساً إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميا، وارتفاع تكاليف النقل بفعل ارتفاع أسعار الوقود المحلية، وتصاعد تكاليف الشحن البحري والتأمين.
في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، سُجلت زيادة بنسبة 13 في المائة في أسعار المواد الغذائية الرئيسية في صنعاء منذ فبراير، وذلك أيضاً بفعل أسعار الغذاء العالمية وارتفاع تكاليف الشحن. يأتي ذلك في وقت تعاني فيه هذه المناطق من تراجع الدخل، وتآكل حاد في القدرة الشرائية، وانحسار شبكات الأمان الإنسانية جراء فقدان مساحة العمل الإنساني وتحديات التمويل. علاوة على ذلك، لا يزال الاقتصاد في هذه المناطق يرزح تحت وطأة شح السيولة، واستنزاف أرصدة النقد الأجنبي، والعقوبات، وانتقال البنوك من صنعاء إلى عدن، وقد تفاقم الانكماش الاقتصادي الحاد في هذه المناطق بفعل الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على موانئ البحر الأحمر والبنية التحتية المرتبطة بها الصيف الماضي. لا يزال تراجع القدرة الاستيعابية يقيد التجارة عبر هذه الموانئ، ما يفاقم نقص الإيرادات، وبحسب منظمة أكابس، تسبب تدهور موانئ البحر الأحمر بخسائر تُقدر بنحو 1٫4 مليار دولار أمريكي، وللتعويض عن ذلك، كثّفت الجماعة فرض الضرائب ومصادرة الأصول.
زاد إغلاق مضيق هرمز هذه المشكلات تعقيداً لتفاقم نقص الوقود، فقد كانت واردات الوقود عبر موانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة الحوثيين أدنى بنسبة 73 في المائة بين يناير ومايو من العام الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025، وأدنى بنسبة 60 في المائة عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحكومة. أُبلغ عن توافر وقود رديء الجودة في محطات الوقود في صنعاء ومدن شمالية أخرى، مما ألحق الضرر بالمركبات ومحطات الكهرباء ومضخات المياه وسبل العيش، وأدت اضطرابات الإمداد في مناطق سيطرة الحكومة إلى انقطاعات كبيرة في الكهرباء (18–20 ساعة يومياً في بعض المديريات)، مع طلب حالي يناهز ثلاثة أضعاف العرض المتاح.
أدى ذلك إلى تدهور الأحوال المعيشية والنشاط التجاري، وفرض تحديات تشغيلية على المرافق الصحية وسائر الخدمات الأساسية، وارتفعت أسعار الوقود في مناطق سيطرة الحكومة بنسبة تصل إلى 30 في المائة خلال مايو مقارنة بفبراير 2026، مسجلةً بذلك أعلى مستوياتها منذ أغسطس 2025، ما يرفع خطر مزيد من التدهور في الأمن الغذائي عبر الضغوط التضخمية. تُعزى الزيادات في أسعار الوقود المحلية أساساً إلى تصاعد أسعار النفط الخام العالمية وتكاليف التأمين البحري؛ حيث قفزت أسعار الوقود المحلية بنسبة 40 إلى 44 في المائة على أساس سنوي بالدولار الأمريكي، مما يُظهر أن ارتفاع قيمة العملة المحلية لم يحدث انفراجاً يُذكر في الأسواق المحلية.
تظل اليمن عرضة للمخاطر الأمنية الإقليمية في الشرق الأوسط – وتحديداً احتمال تصعيد الصراع في باب المندب – وهو ما قد يقطع إمدادات الوقود عن بلد يعتمد اعتماداً شبه كامل على الواردات الخارجية، وإذا تحقق مثل هذا السيناريو، فسيطلق موجة ارتفاع في تكاليف الغذاء والخدمات الأساسية والنقل، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.
على مستوى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ظلت أسعار الوقود من دون تغيير، إذ يباع كل من البنزين والديزل بسعر 475 ريالاً للتر، لكن من المرجح أن ترتفع الأسعار إذا استمرت اضطرابات الإمداد الإقليمية، وقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن «هذه المناطق تعتمد اعتماداً كاملاً على استيراد الوقود – من دول الخليج أساساً – مع وصول جزء كبير من الواردات الإيرانية إلى موانئ البحر الأحمر على متن ناقلات الظل». سيؤثر استمرار اضطراب التجارة البحرية سلباً على اليمن عموما، لا سيما بعدما شرعت شركات الشحن في فرض رسوم إضافية – أُطلق عليها «رسوم المخاطر» – على الشحنات العابرة لمضيق هرمز. ويُقدّر أن هذه الرسوم الإضافية، التي بلغت نحو 3000 دولار أمريكي للحاوية بطول 40 قدماً، سترفع كلفة استيراد السلع إلى اليمن بنسبة تصل إلى 15 في المائة، ويشكّل هذا الارتفاع في الأعباء ضغطاً اقتصادياً هائلاً على التجار والمستهلكين على السواء.
بالمقابل، استمر وصول الغذاء المستورد بكميات كافية، إذ ارتفعت الواردات عبر جميع الموانئ البحرية اليمنية بنسبة 21 في المائة خلال الفترة يناير–مايو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. غير أن تراجع القدرة الشرائية يظل التحدي الرئيسي أمام التغذية الكافية.
تفيد خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 بأن 22٫3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية منقذة للحياة وخدمات حماية، بزيادة نسبتها 23 في المائة خلال عامين، وقد عانت الخطة، التي تتطلب توفير 2٫16 مليار دولار أمريكي لمساعدة 12 مليون شخص، من نقص حاد في التمويل خلال السنوات الأخيرة، ففي عام 2025، أفاد أوتشا بأن خطة المساعدات لم تتلق سوى 720٫3 مليون دولار أمريكي، أي 29 في المائة فقط من المبلغ المطلوب لنفس العام، والبالغ 2٫48 مليار دولار، وهو أدنى مستوى تمويل في 10 سنوات. رغم تصاعد الاحتياجات، أجبر هذا النقص التمويلي الحاد جميع القطاعات على تقليص خدماتها الحيوية، وحتى أواخر يونيو، أظهرت بيانات أوتشا أن أقل من 20 في المائة من الأموال المطلوبة لخطة العام 2026 قد جرى تأمينها، ومن المتوقع أن يستمر النقص الحاد في التمويل، ما سيجبر وكالات المعونة على مزيد من تقليص الخدمات الحيوية، رغم أن اليمن لا يزال يشهد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
الحوثيون يلغون أكثر من 4 آلاف ترخيص تجاري
في خطوة تهدفت لإعادة تشكيل بيئة الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ألغت وزارة الاقتصاد والصناعة والتجارة التابعة للجماعة، تراخيص 4225 وكالة تجارية قائمة تؤدي دور الممثل المحلي القانوني للشركات الأجنبية، وتزامنت هذه القرارات مع تصاعد التوترات مع الوكالات وحتى المنظمات الدولية العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وتهدف الجماعة من تفكيك هذه الوكالات إلى إحكام سيطرتها الاقتصادية وإعادة تشكيل القطاع الخاص بما يخدم مصالحها.
طالت هذه الإجراءات كيانات في قطاعي السيارات والصناعات العامة، إضافة إلى كيانات عاملة في القطاعات الطبية والغذائية والدوائية وقطاع الخدمات العامة. اللافت أن الحملة استهدفت وكالات تجارية عريقة يعود تأسيس بعضها إلى سبعينيات القرن الماضي، أبرزها وكالات إيسوزو موتورز، وجاكوار، ولاند روفر، وفولفو، وغيرها. ومع أن الجماعة منحت هذه الوكالات لاحقاً مهلة 90 يوماً لتسوية أوضاعها القانونية واستكمال إجراءات التجديد، فقد أبدى أصحابها استياءهم من الخطوة، قائلين إنهم واجهوا أصلاً عقبات كبيرة في تجديد تراخيصهم بسبب التعقيدات الإدارية والرسوم الباهظة، خاصة وقد أوقف الحوثيون عمليات كثير منهم قبل إلغاء تراخيصهم. القرار يمهد الطريق لمنح هذه التراخيص لكيانات مرتبطة بالجماعة، مما يتيح لها إحكام قبضتها على شرايين النشاط التجاري، لا سيما في قطاعي الاستيراد والتوزيع الحيويين.
يُحكم الحوثيون سيطرتهم على العاصمة صنعاء التي لا تزال المركز التجاري والمالي الرئيسي، وقد سهّل ذلك جهود الجماعة لإحلال موالين لها محل الفاعلين الاقتصاديين القائمين، ما أفضى إلى وقوع عدد كبير من الوكالات التجارية الأجنبية والأصول المرتبطة بها تحت سيطرة الجماعة. دفعت هذه السياسات المئات من رجال الأعمال إلى الفرار من صنعاء، لائذين إما بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً وإما بالخارج، واضطر كثيرون إلى التخلي عن ممتلكاتهم من الشركات ووكالاتهم التجارية؛ فآلت هذه الأصول لاحقاً إما إلى استحواذ الحوثيين وإما إلى كيانات مرتبطة بالموالين للجماعة. بالنسبة لمن بقوا في مناطق الجماعة، فيثقل نظام الحوثيين كاهلهم بأعباء مالية تحت ذرائع شتى، من التزامات ضريبية للدولة، وتبرعات للمجهود الحربي، وتبرعات إلزامية للمناسبات الدينية والأيديولوجية.
يتزامن قرار إلغاء التراخيص مع تكثيف سياسات توطين الإنتاج في قطاعات عديدة تعتمد حالياً على الاستيراد، من بينها قطاع الأدوية؛ فقد منحت الجماعة مؤخراً تراخيص لمستثمرين مرتبطين بها لإنشاء العديد من مصانع وشركات الأدوية المحلية، وبحسب مصادر ميدانية، اختفت مئات الأدوية المستوردة من السوق، وحلت محلها بدائل محلية الصنع أدنى جودة. قد تكون تداعيات هذا الإحلال كارثية على الصحة العامة، نظراً لغياب مراقبة الجودة، وأوضاع مرافق الإنتاج المحلية، ونقص الخبرات الكافية.
أسهمت سياسات الإحلال التي يقودها الحوثيون في انكماش نشاط القطاع الخاص التقليدي وخروج شركات عريقة من السوق، ما أدى إلى نزوح كبير لرؤوس الأموال من اليمن، ويهدد تعليق هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف الإضافية في بلد يعاني أصلاً من ارتفاع معدلات البطالة وأزمة إنسانية خانقة.
أزمة الغاز المنزلي في مناطق الحكومة
تعيش العاصمة المؤقتة عدن في خضم أزمة حادة في الغاز المنزلي مستمرة منذ نحو أربعة أشهر، وقد ألقت هذه الأزمة عبئاً هائلاً على السكان الساخطين، إذ أغلقت عشرات محطات التعبئة في أنحاء المدينة أبوابها بدعوى نفاد مخزوناتها، أما المحطات القليلة التي ما زالت تعمل فغارقة في الازدحام، مع طوابير تشل حركة المرور في الشوارع المحيطة بها، ومئات الأسطوانات الفارغة المصفوفة بانتظار التعبئة.
امتدت التداعيات أيضاً إلى مدن أخرى عدة، فقد واجهت المكلا في حضرموت نقصاً حاداً يماثل ما تشهده عدن، بل إن الندرة طالت حتى مأرب، المنتج الوحيد للغاز المنزلي ومورده الرئيسي لمناطق سيطرة الحكومة، وقد اتهم مواطنون محطات الوقود باحتكار الإمدادات وافتعال الاختناقات للتربح، حيث أن الأسعار المرتفعة جعلت الغاز المنزلي فوق طاقة غالبية الأسر في المناطق المتضررة، ونتجت الأزمة عن تضافر عوامل عدة منها نقص الإمدادات، وتزايد الطلب، واهتراء شبكات التوزيع، واستشراء التربح غير المشروع، كما أن الإمدادات تتأثر أيضاً بالتهريب، الذي ينشط نتيجة التفاوتات الحادة في الأسعار بين مناطق اليمن، حتى داخل مناطق سيطرة الحكومة نفسها، كما كانت الحكومة بطيئة في بلورة استجابة متماسكة.
تفاقم الإخفاقاتِ اللوجستية انهيار الأمن على طول طرق الإمداد؛ فقد استهدفت فصائل قبلية مراراً ناقلات الغاز القادمة من مأرب، وفي مطلع أبريل، منعت جماعات قبلية مسلحة في مأرب ناقلات قادمة من صافر من مواصلة طريقها إلى الأسواق، ومنها عدن، وبعد أيام قليلة، تدخلت قوات عسكرية بنجاح لرفع حصار قبلي في منطقة غويربان بمأرب وأتاحت استئناف حركة الشاحنات، غير أن المواجهات والحصارات القبلية المتكررة ظلت تعطل طرق الإمداد.
تُعزى الندرة أيضاً إلى تزايد الطلب على الغاز المنزلي بوصفه بديلاً عن البنزين والديزل المستوردين الأغلى ثمناً، فقد شهدت عدن طفرة كبيرة في الطلب، مدفوعة أساساً بقطاع النقل، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 80 في المائة من المركبات الخاصة وسيارات الأجرة تعمل الآن بالغاز، وأظهرت نتائج مسح ميداني أُجري بين مايو ويونيو 2025، أن 36 منشأة كبيرة، من فنادق ومراكز تجارية ومطاعم ومصانع، باتت تعتمد على الغاز. خلال الفترة نفسها، جرى تحويل نحو 1800 مركبة للعمل بالغاز، فيما دخلت المدينة 775 مركبة جديدة إضافية تعمل بالغاز، ولا تمثل هذه الأرقام سوى جزء بسيط من الصورة الأوسع لتنامي الطلب.
حتى حين تكون الإمدادات كافية، فقد قوّض غيابُ الرقابة جهودَ الحكومة لمعالجة النقص، ولا توجد حالياً آليات تنظيمية فعالة لإدارة توزيع الغاز أو مراقبته عبر سلسلة القيمة، ما يتيح استمرار الأزمة رغم توافر الموارد، وتخلق الاختلالات المتجذرة في نظام التوزيع حوافز للتهريب، فيما تشجع فجوات الأسعار بين المناطق على تحويل مسار وقود أساسي للتربح من فروق الأسعار. في مأرب، تبلغ كلفة أسطوانة الغاز نحو 5373 ريالاً، وحين تصل الأسطوانة ذاتها إلى تعز، يقفز السعر إلى 7973 ريالاً، ما يتيح للشبكات غير المشروعة التربح عبر إعادة توجيه الغاز المخصص للسكان المحليين إلى مناطق يمكن بيعه فيها بسعر أعلى، وتزداد الأزمة تعقيداً بفعل الفارق السعري الهائل بين الغاز المدعوم حكومياً والأسعار المحررة في مناطق سيطرة الحوثيين، فمع أن الحكومة تحافظ على أسعار غاز من بين الأدنى عالمياً، فإن ذلك يغذي فعلياً السوق السوداء في مناطق الحوثيين.
في 9 أبريل، أصدر محافظ عدن عبدالرحمن شيخ، توجيهاً رسمياً آخر يقضي بالإغلاق الفوري لجميع الورش المتخصصة بتحويل المركبات للعمل بالغاز المنزلي في عدن، لدواعي السلامة العامة، ووجّه مسؤولي المكاتب المحلية للصناعة والتجارة والشرطة ومديري عموم المديريات بإجراء عمليات تفتيش ميدانية ومحاسبة المخالفين. ليس واضحاً كيف ستؤثر مثل هذه التدابير في الصورة العامة لاستمرار النقص في معظم أنحاء البلاد، أو ما إذا كانت ستؤثر فيها أصلاً.
الحكومة تتعثر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية
تخضع الحكومة المعترف بها دولياً لضغوط هائلة لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها، ففي أبريل، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعاً وزارياً مصغراً بحضور وزراء في الحكومة ومحافظين، وشملت الموضوعات تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، وتعبئة الإيرادات، وتعزيز آليات الحوكمة، وتوفير الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والطرق والرعاية الصحية والتعليم، وتناول الاجتماع أيضاً سبل تحسين التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، كما ناقش المجتمعون جهود السلطات المحلية لإغلاق نقاط التفتيش والمنافذ والمعابر الحدودية غير القانونية (انظر «التطورات العسكرية والأمنية»). يأتي ذلك في إطار حملة حكومية لمكافحة التهريب وتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، ورغم الجهود السابقة لتعزيز تعبئة الإيرادات وضمان إيداع الهيئات العامة إيراداتها في حساب الحكومة لدى البنك المركزي، أخفقت الحكومة في إنفاذ ذلك بفعالية.
واصلت الحكومة تقديم خدماتها المدعومة بكثافة وتحصيلها المحدود لفواتير الكهرباء، ولا تزال المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة عرضة لانقطاعات كهربائية مطولة، وقد ساءت الانقطاعات مع حلول الصيف وازدياد استهلاك الطاقة. على مستوى عدن، اتسعت فجوة إنتاج الطاقة إلى مستوى حرج، إذ بلغ العجز نحو 400 ميغاواط في ساعات الذروة، رغم انخفاض الفاقد في النقل.
الحكومة تحرر سعر الصرف الجمركي
منتصف مايو، أقرت الحكومة المعترف بها دولياً حزمة جديدة من التدابير الاقتصادية والمالية، شملت تحرير سعر الصرف الجمركي للسلع غير الأساسية، ورفع أسعار الديزل، وزيادة علاوة غلاء المعيشة لموظفي الخدمة المدنية بنسبة 20 في المائة، وصرف المكافآت السنوية المتأخرة لموظفي القطاع العام.
رفع القرار سعر الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالاً للدولار الأمريكي، وفي اجتماع لمجلس الوزراء في عدن، قال رئيس الوزراء شائع الزنداني إن تحرير سعر الصرف الجمركي سيتيح للعرض والطلب تحديد الرسوم الجمركية، ويساعد على توحيد مصادر الإيرادات، وتصحيح تشوهات الأسعار، ورفع كفاءة تحصيل الموارد العامة، غير أن الحكومة، بقصرها تطبيق السياسة الجديدة على السلع الكمالية وغير الأساسية حصراً، يمكنها الحد من أثرها في السلع الأساسية شديدة الحساسية لقفزات أسعار الوقود، ولهذا أهمية حاسمة لتبديد المخاوف من أثر محتمل أوسع على أسعار السلع المستوردة وتكاليف معيشة الأسر. إجمالاً، سيتوقف نجاح هذا الإجراء أساساً على قدرة الحكومة على إنفاذ الرقابة، وتوحيد مصادر الإيرادات في الحسابات الحكومية، ومعالجة ضعف التحصيل والتهرب الضريبي الواسع الناجم عن سنوات الحرب.
يأتي هذا التحول في السياسات وسط أزمة اقتصادية ومالية حادة في مناطق سيطرة الحكومة، فقد تدهور الوضع تدهوراً شديداً منذ أواخر العام 2022، حين أجبرت الهجمات الحوثية على موانئ التصدير الحكومةَ على تعليق صادرات النفط – المصدر الرئيسي للدولة من النقد الأجنبي والإيرادات العامة، وأدت نتائج ذلك من تشظٍ وعدم استقرار اقتصادي إلى تشويه أسعار السوق وتجريد الدولة من أموال حيوية. في حين أُجهضت محاولات الإصلاح السابقة بفعل الاحتكاكات السياسية والانقسامات المؤسسية، شكّل تدخل السعودية مطلع العام الجاري لتحجيم المجلس الانتقالي وإعادة تشكيل موازين القوى في مناطق سيطرة الحكومة نقطةَ تحول هامة. تأتي هذه الخطوات الأخيرة في إطار تنفيذ قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025، بشأن أولويات الإصلاح الاقتصادي الشامل، بما فيها تحرير سعر صرف الدولار الجمركي، ووقف التسرب المالي، ورفع كفاءة تحصيل الموارد العامة.
تحسن طفيف في خدمات الكهرباء
في عدن ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، تحسنت إمدادات الكهرباء تحسناً طفيفاً اعتباراً من منتصف يونيو. ويأتي هذا التحسن عقب إطلاق خطة طوارئ من وزارة الكهرباء والطاقة ومجلس القيادة الرئاسي، وتوفير منحة وقود سعودية طارئة.
وفّر صرف منحة الوقود السعودية الطارئة البالغة 150 مليون دولار أمريكي لتلبية الاحتياجات التشغيلية لمحطات الكهرباء في مناطق سيطرة الحكومة قدراً من الانفراج، وتقلصت الانقطاعات إلى ست ساعات مقابل كل ساعتين من التغذية الكهربائية. تُنفذ المنحة في إطار آلية متكاملة للحوكمة والرقابة تديرها لجنة رفيعة المستوى ترفع تقاريرها إلى رئيس الوزراء، وتهدف إلى توفير الديزل والمازوت لعدد من محطات الكهرباء في عدن، منها المنصورة والحسوة وشاهيناز والملعب. هذه المنحة هي ثاني مبادرة دعم سعودية منذ مطلع العام، بعد منحة بقيمة 81٫2 مليون دولار أمريكي، لتغطية كلفة نحو 339 مليون لتر من الديزل والمازوت من حقول بترومسيلة في حضرموت، ومع أن منحة الوقود الأخيرة تهدف إلى تأمين المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء حتى نهاية العام الجاري، فإنها حل ظرفي لا يوفر سوى متنفس مؤقت، حيث أسهمت سنوات الإهمال ونقص الاستثمار في البنية التحتية للكهرباء إسهاماً كبيراً في الوضع الراهن.
تُتخذ تدابير أخرى لمعالجة الأزمة أيضاً، فقد وصلت وحدات توليد كهرباء طارئة إلى المكلا أواخر يونيو، فيما لا تزال وحدات أخرى مخصصة لعدن في طريقها من ميناء جدة السعودي، بحسب مصادر حكومية، وهي جزء من مشروع لإنشاء محطات كهرباء طارئة لمدينتي المكلا وسيئون بقدرة إجمالية تبلغ 200 ميغاواط. يموَّل المشروع من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وستتولى شركة الخليج الدولية للطاقة تركيب المولدات وربطها بالشبكة، إذ من المتوقع أن تصل قريباً إلى عدن شحنة أخرى من المولدات بقدرة إجمالية تبلغ 100 ميغاواط، وإن كان دخولها الخدمة قد يستغرق ما يصل إلى شهرين. من الناحية الفنية، يتطلب إنشاء محطات كهرباء تعمل بالمازوت أعمالاً هندسية وإنشائية واسعة، وبحسب أحد المصادر، يشمل ذلك تهيئة المواقع وتركيب خزانات الوقود وأنظمة التبريد والمحولات وشبكات النقل والربط بالشبكة، إلى جانب بنية تحتية شاملة.
عانت عدن وحضرموت ومناطق أخرى انقطاع الكهرباء لمدد تصل إلى 20 ساعة يومياً منذ مايو، وقد هزّت عدن سلسلة من المظاهرات، وشهد الصيف الماضي احتجاجات مماثلة حين باتت الانقطاعات والأحوال المعيشية لا تطاق، وواجهت الحكومة سيلاً من الانتقادات لطريقة تعاملها مع المشكلة، وسط اتهامات بسوء الإدارة وانعدام الشفافية في قطاع الكهرباء. تقول الحكومة إنها تنفق 100 مليون دولار أمريكي شهرياً على الوقود واستئجار محطات الكهرباء، لكنها لا تزال عاجزة عن توفير إمداد كهربائي موثوق.
البنك المركزي يستعد لإطلاق الشركة الوطنية للمدفوعات والمقاصة
يستعد البنك المركزي اليمني بعدن لإطلاق الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة، في إطار الجهود الرامية إلى تحديث البنية التحتية المالية والمصرفية للبلاد، وتعزيز التحول الرقمي في قطاع الخدمات المالية. ستعمل الشركة، الممولة من البنك الدولي والمنفذة عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بوصفها شركة مساهمة تابعة للبنك المركزي بعدن، بمساهمات في رأس المال من البنوك اليمنية، وتهدف إلى تسهيل عمليات المقاصة بين البنوك والمحافظ الإلكترونية، وتسريع التحويلات المالية، ورفع كفاءة أنظمة الدفع، وتعزيز التكامل بين المؤسسات المالية والمصرفية، وقد أصدر البنك المركزي بعدن ترخيصاً رسمياً بتأسيس الشركة منتصف مايو، لكن إطلاق المنصة وبدء العمليات قد يستغرقان عدة أشهر.
تندرج مبادرة الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة في إطار أوسع من الجهود لتحديث القطاع المصرفي وتسريع التحول الرقمي؛ ففي منتصف عام 2025، وافق البنك الدولي على منح جديدة بقيمة 30 مليون دولار أمريكي، خُصص منها 20 مليون دولار لمشروع البنية التحتية للسوق المالية والشمول المالي في اليمن عبر ثلاثة مكونات رئيسية: تطوير نظام الدفع السريع؛ وتطوير نظام التسوية الإجمالية الفورية؛ وتحديث النظام المصرفي الأساسي للبنك المركزي بعدن، ودعم الوصول إلى البنية التحتية للمدفوعات واستخدامها.
من شأن تطوير البنية التحتية المالية في اليمن أن يتيح فرصاً لتحسين الشمول المالي، وهو أساسي لزيادة استخدام الخدمات المالية الرقمية، بما فيها رقمنة المدفوعات الحكومية. حد افتقار اليمن إلى بنية تحتية شاملة للمدفوعات الأساسية من قدرة الحكومة على رقمنة المدفوعات، بما فيها رواتب القطاع العام والتحويلات الاجتماعية، وفي أواخر العام 2023، أصدرت الحكومة عدة قرارات في مسعى لرقمنة صرف الرواتب. بشكل عام، ولإتمام هذه العملية، يتعين على الحكومة مواصلة إصلاحاتها وإنشاء قاعدة بيانات لرواتب موظفي الخدمة المدنية داخل النظام المصرفي. من شأن توافر نظام الدفع السريع أن يمكّن البنوك وسائر مقدمي الخدمات المالية من العمل ضمن نظام مالي متكامل في مناطق سيطرة الحكومة، فعبر هذا النظام، ستتاح للأفراد والمنشآت قناة لتبادل الأموال بكفاءة أكبر وتجاوز خيارات الدفع التقليدية المحصورة في النقد أو الشيكات أو المدفوعات الإلكترونية داخل المؤسسة المالية الواحدة، أما إعادة إطلاق نظام التسوية الإجمالية الفورية للمعاملات المالية الكبيرة، فتهدف إلى تحسين كفاءة أنظمة مدفوعات التجزئة وأمنها، والحد من المخاطر المالية، وضمان التسوية الآمنة للالتزامات بين المؤسسات.
رغم ذلك، فإن قابلية التشغيل البيني بين مقدمي الخدمات المالية اليمنيين تظل تحدياً، إذ قسّم الصراع البلاد إلى منطقتين اقتصاديتين منفصلتين، فقد اعتمدت سلطات الحوثيين نظام دفع سريع خاصاً بها يعمل حصراً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة عبر كيان مملوك للقطاع الخاص.
النيابة العامة تأمر بتجميد أصول المجلس الانتقالي
امتد الخلاف طويل الأمد بين الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي المعلن حله، إلى معركة على الموارد المالية للمجلس، ففي مسعى لشل المجلس بصورة ممنهجة، لجأت الحكومة إلى سلسلة من التدابير لقطع تمويله ووقف ما تبقى من عملياته.
منتصف يونيو، أصدرت النيابة العامة بعدن قراراً بالحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات العائدة للمجلس الانتقالي لدى البنوك والمؤسسات المالية وشركات الصرافة. أتت الخطوة ضمن سلسلة تدابير يُقال إنها تهدف إلى «حماية المال العام، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، وتمكين الحكومة من الوصول إلى مواردها المحلية والسيادية كافة». يحظر القرار التصرف بالأموال المجمدة أو التنازل عنها أو سحبها أو تحويلها، وأصدر البنك المركزي اليمني بعدن لاحقاً تعليمات إلى البنوك التجارية والمؤسسات المالية وشركات الصرافة تأمرها بالإبلاغ الفوري عن أي حسابات أو أرصدة أو أموال محتفظ بها لصالح المجلس الانتقالي.
أفضى القرار إلى تجميد فوري لمبلغ 14 مليار ريال مودعة في حساب للمجلس الانتقالي لدى بنك التسليف التعاوني والزراعي (كاك بنك)، ولم تجادل الدائرة المالية للمجلس في المبلغ، لكنها أكدت أن الأموال ليست ملكاً للمجلس أو قيادته، بل تمثل مستحقات بدل إعاشة للقوات العسكرية والأمنية الجنوبية عن شهري أكتوبر ونوفمبر 2025. وصفت الدائرة المالية للقوات المسلحة الجنوبية الادعاء بأن المجلس ورئيسه المنفي عيدروس الزُبيدي يملكان الأموال بأنه «حملة تضليل» لا أساس لها، واتهم المجلس ما سماه «سلطات الوصاية السعودية» بتدبير عملية الحجز، محتجاً بأنها تستهدف القوات الجنوبية وحرمانها من مستحقاتها المالية في وقت تنخرط فيه بالقتال ضد الحوثيين وسائر التنظيمات المتطرفة.
راكم قادة المجلس الانتقالي ثروات هائلة خلال فترة وجودهم في السلطة، فعبر الهيمنة على قطاعات مربحة من الاقتصاد واستغلال السوق السوداء، حصدوا مكاسب مالية ضخمة، وأتاح لهم امتلاك بنوك وشركات صرافة محلية نقل رؤوس الأموال إلى الخارج بسهولة، أو غسلها محلياً عبر توزيع الأموال على أطراف موثوقة وموالين على الأرض.
الخطوط الجوية اليمنية تعلق رحلاتها
أواخر مايو، أعلنت الخطوط الجوية اليمنية تعليق جميع الرحلات الداخلية من أرخبيل سقطرى وإليه وبين سيئون والقاهرة. نجم القرار عن نقص في وقود الطائرات على مستوى البلاد، وأفاد مكتب الناقل الوطني في سقطرى، في بيان له، بأن نقص الوقود جعل من المتعذر مواصلة تشغيل الرحلات الداخلية وفق الجداول المعتمدة سابقاً، ما اضطر الشركة إلى تعليقها، بينما يُعد هذا الخط الرابط الوحيد الذي يصل سكان الأرخبيل ببقية اليمن، وقد حاولت الشركة التخفيف من حدة النقص عبر تزويد طائراتها بالوقود في مطارات خارجية، فعلى الرحلات الدولية المتجهة إلى مطارات مثل القاهرة وعمّان وجدة، تملأ الطائرات خزانات وقودها بكميات تفوق متطلبات رحلة العودة. وهكذا اضطرت الشركة إلى تقديم خطوطها الدولية على الداخلية، ما أدى إلى تعليق الخط الداخلي إلى سقطرى وتأجيل رحلات أخرى.
يرفع الاعتماد على المطارات الأجنبية للتزود بالوقود التكاليف التشغيلية، لكن الخيارات الأخرى قليلة، فأزمة الوقود متشابكة مع انعدام الاستقرار الأمني في مضيق هرمز، الذي أدى إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، مما يجعل حل الأزمة أمراً عسيراً في المدى المنظور، ومع أن السعودية أعلنت منحة وقود جديدة لليمن بقيمة 150 مليون دولار أمريكي، فإن المشتقات مخصصة حصراً لتوليد الكهرباء والتخفيف من انقطاعاتها، دون أي مخصصات مرافقة من وقود الطائرات لقطاع الطيران.
الصندوق الاجتماعي في مرمى النيران: كلفة انعدام الأمن
سلّط اغتيالُ وسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، مطلع مايو، الضوءَ بقوة على البيئة التشغيلية لعمل المعونة والتنمية في اليمن، حيث يمثل اغتيال قائد ضربة قاسية لواحدة من أكثر مؤسسات البلاد حيوية، ومؤشراً على التآكل المتعمق للبيئة الأمنية التي تعمل فيها منظمات الإغاثة والتنمية. كان الصندوق من الكيانات الرئيسية لاستيعاب المعونة الدولية وتوجيهها – إذ ساهم البنك الدولي بنسبة 40 في المائة من ميزانيته خلال العامين الماضيين – وقد يؤدي تدهور الأمن إلى مزيد من التقويض لثقة المانحين بالحكومة المعترف بها دولياً؛ فلطالما عُد الصندوق واحدة من أكثر الأدوات التنموية فعالية في البلاد، وهي نظرة صمدت حتى في خضم انهيار مؤسسات الدولة، إذ واصل العمل بحياد وتقديم الخدمات في مختلف أنحاء اليمن.
مع ذلك، كان الصندوق موضع خلافات كبيرة بين الحكومة وسلطات الحوثيين، لا سيما عقب نقل مقره الرئيسي من صنعاء إلى عدن في أغسطس الماضي، وقالت مصادر من الصندوق لمركز صنعاء إن النقل كان ضرورة ملحة عقب تصنيف الحوثيين منظمةً إرهابية أجنبية، وإن العمل من صنعاء بات متعذراً على نحو متزايد، لا سيما بعد نقل العمليات المصرفية الرئيسية إلى عدن.
اغتيال قائد قوبل بإدانة واسعة من الأوساط المحلية والدولية، فقد أصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة جميعها بيانات تدين الجريمة وتعيد التأكيد على واجب الدولة في حماية العاملين في التنمية، وعقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعاً في أعقاب الجريمة وتعهد بتعزيز البروتوكولات الأمنية، غير أن المشكلة الكامنة – غياب الوحدة والقرار الأمني المتماسك في عدن – تظل من دون حل، فمع تحول عدن على نحو متزايد إلى مركز للعمليات المصرفية والتنموية والإنسانية، باتت ضرورة إنفاذ سيادة القانون فيها ملحّة.
وقود ملوث يشل النقل في مناطق سيطرة الحوثيين
عانت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين على مدى شهر يونيو من أزمة سببها وقود ملوث؛ فقد اندلعت موجة غضب شعبي واسعة عقب تدفق كميات كبيرة من الوقود المغشوش، وألحق هذا الوقود أضراراً جسيمة بالمركبات ومضخات الري والمصانع والورش ومحطات الكهرباء، ما أثار مطالبات بتعويض المتضررين.
حمّلت شركة النفط اليمنية التابعة للحوثيين، غيابَ البنية التحتية المسؤوليةَ عن الوضع، قائلة إن صهاريجها لتخزين النفط قد دُمرت تدميراً كاملاً بفعل الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية العام الماضي، ما اضطرها إلى استخدام خزانات بديلة لا تسمح بترسيب الشوائب أو تنقية الوقود على النحو السليم، وكان للحظر الأمريكي على شحنات الوقود إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين دور في ذلك أيضاً، فقد استهدفت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية تحديداً شركات نفط خاصة تعمل واجهاتٍ للجماعة لتهريب الوقود، ومنذ ذلك الحين، لجأ الحوثيون إلى شبكات عابرة للحدود لاستيراد نفط إيراني متدني الجودة لتلبية الطلب، وخزنوه في منشآت بمنطقة الصباحة غربي العاصمة. زاد التصعيدُ الأخير في الشرق الأوسط واضطرابات الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز من تقييد تدفق الوقود، بما في ذلك الشحنات المرتبطة بإيران.
تعد هذه الحادثة لتداول وقود مغشوش في السوق الثانية من نوعها خلال عام، وتواجه شركة النفط اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين اتهامات بتعمد توزيع وقود مخلوط بمواد أخرى، فقد أفادت مصادر إعلامية، نقلاً عن خبراء في التحقق من البيانات وتتبع السفن، بأن شحنات الوقود المعنية خضعت لعمليات نقل غير مشروعة من سفينة إلى سفينة في البحر قبل دخولها ميناء رأس عيسى النفطي بالحديدة. حتى مع تدفق ضئيل من الواردات، كان الوضع مزرياً، فأمام تزايد الطلب وصعوبات استيراد الوقود، ضُخت عدة شحنات من الوقود الملوث في قنوات التوزيع، حيث يؤدي التخزين المطول للمشتقات النفطية الرديئة إلى التحلل وتكوّن الشوائب وتراكم الماء والرطوبة، ما يلوث الوقود، وتعود ملكية الشحنات المخزنة أساساً إلى تجار وشخصيات نافذة داخل الجماعة، وبينما تدرّ أرباحاً كبيرة لهذه الشخصيات، يتحمل عامة الناس الكلفة.
الحوثيون يعتزمون بيع أصول مصرفية محجوزة بالمزاد
منتصف مايو، حددت المحكمة الجزائية المتخصصة التابعة للحوثيين بصنعاء موعداً لمزاد لبيع أراضٍ عائدة لبنك التضامن الإسلامي الدولي، أحد أكبر البنوك اليمنية الخاصة من حيث الودائع والأصول. كان هذا المزاد هو الأكبر من نوعه حتى الآن، إذ غطى مساحة إجمالية قدرها 2792 لبنة (نحو 124 ألف متر مربع)، بقيمة تقديرية تبلغ 9٫4 مليارات ريال (نحو 17٫6 مليون دولار أمريكي). غير أن نتيجة المزاد تظل غير واضحة.
رداً على ذلك الإعلان، أصدر البنك المركزي اليمني بعدن بياناً يحذر من عقوبات محلية ودولية على أي أفراد أو كيانات متورطة في استيلاء الحوثيين غير القانوني على عقارات أو أصول عائدة للبنوك والمؤسسات المالية وبيعها، وشدد البنك المركزي بعدن على أن جميع العقود أو اتفاقيات البيع أو الرهن أو نقل الملكية أو أي تصرفات مترتبة على هذه المزادات الباطلة «تُعد معدومة الأثر قانوناً ولا يعتد بها أمام كافة الجهات الرسمية والقضائية الشرعية داخل الجمهورية اليمنية أو خارجها»، كونها صادرة عن جهات «فاقدة للولاية والصفة القانونية» خاضعة لمليشيات مصنفة إرهابياً، وحذر من أن المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة تعرّض مرتكبيها للمساءلة القانونية الكاملة ولخطر الإدراج ضمن قوائم العقوبات المحلية والدولية ولخطر الإدراج ضمن قوائم العقوبات المحلية والدولية، فضلاً عن ضياع أي حقوق أو مبالغ تُدفع لتلك الجهات.
أتى المزاد في إطار ملاحقة قضائية ذات طابع سياسي ضد الرئيس السابق الراحل عبدربه منصور هادي، وتنبع الإجراءات من حكم بالإعدام وأمر بالمصادرة يعودان إلى العام 2019، عن المحكمة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومنتصف العام 2021، كثّفت سلطات الحوثيين الضغط على بنك التضامن، مطالبةً بتحويل أكثر من 32 مليار ريال و636٫2 مليون ريال سعودي من حسابات هادي المجمدة إلى البنك المركزي اليمني بصنعاء، وقد اعترض بنك التضامن رسمياً على التحويل، محتجاً بتعارضه المباشر مع قرارات مجلس الأمن الدولي، وأشار البنك إلى أن لجنة العقوبات الدولية تحظر صراحة تنفيذ أوامر الهيئات القضائية المحسوبة على الحوثيين، محذراً من أن مثل هذه التحويلات قد تصنَّف غسلاً للأموال وتمويلاً للإرهاب، كما أوضح البنك طبيعة الأصول: فالأرصدة بالريال اليمني كانت مستثمرة سابقاً في صكوك إسلامية لدى البنك المركزي، فيما تشكل الأرصدة بالريال السعودي حساباً استثمارياً مرتبطاً باتفاقات خارجية تعود إلى العام 2014.
هذا المزاد هو جزء من استراتيجية الحوثيين الأوسع للاستيلاء على ممتلكات المعارضين الذين يتحدون سلطتهم ومصادرتها تحت ذرائع شتى، منها اتهامات الخيانة، فمنذ عام 2017، نفذوا حملة واسعة لنهب مئات المنازل والعقارات والأعمال التجارية العائدة لمعارضين، مستخدمين مؤسسات الدولة، كالقضاء والبنك المركزي بصنعاء، لتنفيذ عمليات الحجز التحفظي.
الريال يحافظ على استقراره
ظل الريال اليمني الجديد مستقراً نسبياً طوال الفترة المشمولة بالتقرير، إذ تم تداوله عند 1573 ريالاً للدولار الأمريكي قبل أن يرتفع بنحو واحد في المائة، إلى 1562 ريالاً للدولار مطلع يونيو. ظلت العملة الجديدة دون عتبة الـ 1700 ريال منذ أغسطس من العام الماضي، ويمكن أن يُعزى هذا الصمود بدرجة كبيرة، إلى تنفيذ إصلاحات حكومية جريئة ركزت على الإدارة المنضبطة لاحتياطيات النقد الأجنبي وإعطاء الأولوية الاستراتيجية للأموال المخصصة لاستيراد السلع الأساسية.
إضافة إلى ذلك، أدى الدعم المالي من السعودية، بما فيه دفع رواتب القطاع العام ومنح الوقود لتوليد الكهرباء وتمويل التنمية، دوراً حاسماً في استقرار العملة، ففي أواخر مايو، أعلنت السعودية منحة وقود بقيمة 150 مليون دولار أمريكي للحكومة المعترف بها دولياً لتشغيل محطات الكهرباء، وفي 19 يونيو، أعلنت المملكة أنها ستصرف أكثر من 224 مليون ريال سعودي (نحو 60 مليون دولار أمريكي) للمساعدة في تغطية عجز موازنة الحكومة. هذا المبلغ، المقدم في إطار برنامج دعم اقتصادي عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، يهدف أساساً إلى تغطية رواتب القطاع العام.
بالنسبة للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ظل سعر الريال القديم ثابتاً نسبياً، إذ تم تداوله بين 531 و534 ريالاً للدولار الأمريكي خلال الربع الثاني من العام 2026.
كبير الاقتصاديين